ألقى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسين في برج البراجنة، تحدث فيها عن الإمام السيد موسى الصدر، وقال:
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (غافر/30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ}.
"تماماً كمؤمن آل فرعون شرَّع الله للخلائق من يخرج إليها ما بين الحين والآخر ليذكّرها بأيام الله وما ينتظرها إن هي بطشت وظلمت وأصرّت على فسقها وطغيانها، والرجالات بعهد الله أكثر من أن تُحصى، ومنها الإمام السيد موسى الصدر الذي حمل عذابات الأولياء على عاتقه المُثقل من وجع الأحداث، ليصدع قائلاً: الإنسان والوطن أمانة الله، والأمانة ذخيرة الأنبياء وسِلم الناس وأمانهم، وكفُّ يد الظالم، وتأكيد الأخوّة الإنسانية، وتوثيق روابط الوطن، والكفاح بكلّ ما أمكن من أجل الإنسان والأخلاقيات وما يلزم لمفهوم الدولة الضامنة والقوة العادلة، بعيداً عن الإجحاف السياسي والفساد الحكومي والخلافات الطائفية والمشاريع والسياسات الدولية، في سياق تأكيد مفهوم الدولة العادلة ومنع السلطة من النَزَق والجنون الذي يطال أكبر أمانات الله بالإنسان والوطن.
أضاف :"وانطلاقا من هذا العنوان، خاض السيد موسى الصدر زمن الحرب الأهلية معركة الوطن والإنسان على خطوط التماس، وهو يؤكد: أن خيانة المصالح الوطنية حرام، وتسليم السلطة والبلد للفوضى حرام، وتجييرَ القوة الوطنية للقتال الداخلي بدل الدفاع عن حدود الوطن حرام، وقتال المسلم والمسيحي حرام، وتفتيت الوحدة الوطنية وضرب العيش المشترك حرام، والسقوط بلعبة المشاريع الدولية والإقليمية حرام، والفتنةَ الطائفية وخذلان الدم الوطني حرام.
وهو الذي لفت إلى أن لبنان الضعيف الذي يستدعي الوصاية ويستجدي الحماية، يضعه بغابة وحوش لا تشبع من القتل والظلم والإبادة والتي تنتهي بخراب الوطن".
وتابع :"وطيلة فترته كان الإمام الصدر، يؤكد ضرورة تنفيذ التكوين الكامل لمشروع الدولة الوطني حتى لا تتحول الدولة وكرا للمشاريع التمزيقية والخرائط التقسيمية والطائفية.
وحين طالب بتأمين الدولة ومشروعها الكامل، كان يعتقد أن فساد الصيغة السياسية ولعبة الاستئثار الحكومي من شأنها أن تحول السلطة الحاكمة إلى مجموعة خطرة على الدولة والمصالح الوطنية والسيادية. وفي هذا السياق حذر من إسرائيل وعدوانيتها الأبدية، بخلفية أن التهديد للبنان هنا وجودي، فلذلك وصفها "بالشر المطلق" "والشيطان المطلق"، وحذر من العقل التلمودي لإسرائيل الذي يضعها بقلب عقيدة عدوانية توسعية لتحقيق إسرائيل الكبرى، ليس على حساب لبنان فقط، بل على حساب المنطقة بأكملها".
وأكمل المفتي قبلان : "وتحت هذا المعنى، أكد أن الوحدة السياسية والوطنية أساس لبقاء لبنان وحمايته، وأن لبنان الضعيف في حاجة إلى كل بنيه وقواه وإمكاناته لحمايته ولحماية العيش المشترك والقرار الوطني والكيان السيادي والسياسي، وهو صاحب شعار "لا حياة مع العدو الإسرائيلي إلا بالمقاومة" ، وأن هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة.
ولذلك توجه للسياسيين في لبنان بالقول: إن إسرائيل كيان غادر وعقيدة دموية ومشروع يعيش على الحروب والمذابح، وخاطب الدولة قائلاً: نحن نقاتل إسرائيل لأن الدولة لا تريد قتال إسرائيل، ومن لا يقاتل إسرائيل إنما يخون بلده وشعبه. وحين قال: نرفض أن يكون لبنان ساحة صراع للآخرين، لفت إلى أن المشكلة الرئيسية هي بالسلطة التي لا تريد القيام بوظيفتها الوطنية، وتتعامل مع لبنان بنزعة مقاول وتاجر، ولا تهتم بالعقيدة الوطنية للدولة والناس.
وعلى نسق القيمة الأخلاقية والوطنية للدولة، قال: لا بدّ من تنفيذ مشروع وطني أكبر من اللعبة الطائفية، ومقصوده هنا "وطن ومواطن"، أما التمييز الطائفي والسياسي فإنه يضع أبناء الدولة في وجه بعضهم البعض. وذكّر الجميع أن المشروع السياسي الذي يترك الجنوب دون دفاع إنما يخون بيروت العاصمة ويحوّل الدولة إلى صفقات، ويُلغي المنطق الحقوقي للوطن. وفي مدينة صور قال: السلطة التي لا تحمي الوطن سلطة ساقطة. ولم يترك منبراً أو موقفاً إلا ودعا فيه لتأمين شروط الوحدة الوطنية ومنع النعرات الطائفية وخطاب التقسيم والتمزيق والانتقام، وهو الذي وصف الوحدة الوطنية بالـ "القدر السماوي والقيمة التاريخية الأبدية".
وتحت عنوان العائلة الوطنية، كان يعتقد أن الحوار والتلاقي والشراكة الميثاقية والتضامن الوطني ضرورة تكوينية للبنان، وبخلفية هذه الحقيقة وصف لبنان بساحة الحوار والعدالة الضامنة للعائلة اللبنانية ومشروعها السياسي.
ولأن تعقيدات لبنان الطائفية مفتوحة على مشاريع الخراب، فقد دعا القوى السياسية للخروج من صيغة القنابل الطائفية لصالح المواثيق الوطنية العابرة للطوائف، مؤكداً أن أيّ خطأ بالتقدير السياسي للفريق الحاكم قد يضع لبنان في المحرقة، ولفت إلى أن القرارات الحكومية إما "تضع لبنان على سكة الاستقرار أو تُسقطه في نار الفوضى".
فالقضية هنا ليس أن نحكم بل كيف تكون الحكومة قدوة وطنية، والزعامة تقوم من كون العمل الوطني ضمانة سيادية في وجه الخارج ولعبة التقسيم وطوأفة البلد ورفع المتاريس.
وفي سياق ما يجب على السلطة والشعب، يؤكّد الإمام الصدر أن حماية لبنان مسؤولية وطنية لا تسقط بخذلان الفريق الحاكم أو باستسلام السلطة أو خروجها عن كونها سلطة سيادية، ولفت إلى أن المقاومة في هذا المجال هي قدر لبنان الوطني، لأن المسألة هنا كيف نمنع العدوان، وكيف نواجه الطغيان، وكيف نحمي الدولة والبلد ونحفظ مصالح الشعب العليا. وهو القائل بأن السلطة التي لا تريد الدفاع عن لبنان تُسقط قيمتها الوطنية، بل تتحوّل عبئاً على الوطن والسيادة والمشروع الوطني، لافتاً إلى أنه لا شرعية للسلطة إلا بخياراتها الوطنية والسيادية التي تحفظ لبنان، ودون ذلك تصبح السلطة ساقطة.
وطالما نبه الإمام الصدر من تحويل الجيش إلى "بوليس" داخلي، لأن وظيفة الجيش الحدود ومنع الاحتلال وردعه ومواجهة المخاطر الخارجية، لا التفرج على محارق الوطن ومشاريع الاحتلال دون أن يقوم بوظيفته الوطنية".
وأردف قبلان :أما في الشق الاجتماعي، لفت الإمام الصدر إلى "أن الوطن لا يمكن أن يعيش في ظل جائع ومحروم ومعذب، ودعا إلى إعادة توظيف الدولة بالعدالة الاجتماعية والمشاريع الإنمائية والاقتصادية والخدمات العامة، على قاعدة المواطنة لا الطائفة.
أما عن الوحدة الوطنية، فقال: المسلم والمسيحي جناحا لبنان، وأنه إذا سقطت الوحدة بين المسيحي والمسلم يسقط لبنان، وحذّر من فتنة الداخل لأنها أخطر من أيّ حرب خارجية، وحذّر من فتنة التحريض والدم والخصومات الطائفية، لأن هذا النوع من الفتن يضع اللبنانيين في وجه بعضهم، ويدفع نحو الانتقام والانقسام والخنادق، بل كان طيلة الحرب الأهلية يدعو إلى حماية الجيش اللبناني من التوظيف السياسي الخطأ، لأنه ضمانة وطنية فوق مشاريع اللعبة السياسية والطائفية، بل إن زجّه باللعبة السياسية يضرب دوره الوطني، ويضع السلطة السياسية في قلب الخيانة العظمى وسط مشروع أميركي إسرائيلي يريد ابتلاع لبنان والمنطقة، والله تعالى يقول {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.
وتوجه المفتي قبلان، الى اللبنانيين: "في يوم الإمام الصدر، وهو إمام الوطن والمقاومة، وهو عقل عابر للشعوب والأمم، وهو ذخيرة فكرية ودينية وإنسانية قل نظيرها، وهو النموذج المدهش عن الوحدة الإسلامية المسيحية، نؤكد أن إهمال قضيته خيانة بحجم خيانة أكبر عقول ومصالح لبنان والمنطقة والعالم.
وفي سياق آلامه وعذاباته، أقول للحكومة اللبنانية: لبنان مهدد بشدة ممن يلعب بنار الفتنة، ولا فتنة أكبر من فتنة تمزيق لبنان وكشفه وتفريغه من قوّته السيادية أمام فريق منبطح ومهزوم ولا قيمة وطنية له، خاصة أن بعض العقول المجنونة المهووسة تريد إحراق البلد وتنتظر ذلك بفارغ الصبر، فيما القرارات الحكومية التي تنتهك السيادة الوطنية بالعلن وتؤدي فروض الطاعة والاستسلام للخارج تضع البلد كله في قاع الخراب الوطني".
ولفت الى "ان المطلوب حماية لبنان وعيشه المشترك ومصالحه السيادية من لعبة الانكشاف والاستسلام ومشاريع القتل والانتقام، واللحظة الآن للسيادة الوطنية بكل ما تحتاجه من ضرورات الدفاع الوطني الذي يتكون من شراكة الجيش والشعب والمقاومة".
ولمن يهمه الأمر، قال قبلان:" الأخ الرئيس نبيه بري هو أكبر مرجعيات هذا الوطن ورمز قيمته السيادية وتاريخه المقاوم، وأساس أي شرعية سياسية، ولا مؤسسة ولا ميثاقية ولا حكومة ولا تضامن وطني بلا الرجوع إلى الرئيس نبيه بري. ومن ارتكب الخطيئة السياسية عليه أن يعود عنها، ومن يتجاوز الرئيس نبيه بري إنما يتجاوز أساس تكوين لبنان الوطني والسياسي.
ومن هنا، لن نسمح بتمرير اللعبة السياسية التي تريد تمزيق البلد وإحراقه وإبادة صيغته التاريخية ومصالحه السيادية والأمنية، والرئيس جوزاف عون مطالب الآن الآن بما يلزم عليه من واجبات وطنية كبرى، لأن الطاعون السياسي يهدد لبنان برمته، وكلنا ثقة بالشعب والقيادات الوطنية للنهوض بما يلزم عليها من واجبات وطنية لإنقاذ البلد وحمايته من جنون فريق يدفعه نحو أسوأ أنواع الخراب، وها هي إسرائيل تشن أكبر غاراتها على لبنان، وتمارس أسوأ أنواع العدوان الذي يطال سماء لبنان وأرضه وسيادته دون أي صوت للحكومة الاستسلامية التي تحولت إلى مكتب تجاري للعبة الدولية الإقليمية، فقط لأن هناك من تعهد بتفريغ لبنان من القوة الوطنية السيادية، وكأن هناك من أراد تلزيم لبنان للانتداب الجديد" .
وختم قبلان : "لا شيء يجمع هذا البلد مثل الجيش اللبناني، ولا خطيئة أكبر من توظيف الجيش اللبناني بالسياسة الداخلية، ولعبة الانتقام الداخلي والتوظيف الدولي الذي يريد حرق لبنان. والجيش هو للحدود وللدفاع الوطني ولمنع الاحتلال وليس للفتنة الداخلية وللتوظيف السياسي المشبوه. وسندافع عن العقيدة الوطنية للجيش بكل إمكاناتنا الوطنية ولا نقبل إلا أن يكون الجيش اللبناني الدرع الضامن للبلد".
رصد المحور الاخباري