الاخبار : لغة الدولة حين تخاف من الأسماء
الاخبار_معن خليل _الثلاثاء 13 كانون الثاني 2026
السؤال ليس لماذا استخدم رئيس الجمهورية عبارة «الطرف الآخر»، بل لماذا احتاج إليها.
فاللغة، خصوصاً حين تصدر عن رأس الدولة، لا تُستعمل إلا عند الحاجة. والحاجة هنا ليست لغوية، بل سياسية بامتياز.
الاسم في السياسة ليس حياداً. حين تقول «المقاومة»، فأنت تقول تاريخاً، دماً، صراعاً، شرعية شعبية، واشتباكاً مفتوحاً مع إسرائيل.
وحين تقول «البيئة الحاضنة»، فأنت تعترف بوجود مجتمع كامل اختار هذا المسار عن وعي وتجربة، لا عن صدفة أو تبعية.
لهذا، يصبح الاسم عبئاً على من يريد إعادة صياغة الرواية. فيستبدل بـ«الطرف الآخر»، عبارة بلا ذاكرة، بلا سياق، بلا دم.
إنها لغة تفريغ: تفريغ الاسم من معناه، والتاريخ من ثقله، والوجع من شرعيته.
لا يمكن فصل هذا التعبير عن البيئة الدولية والإقليمية التي تتحرّك ضمنها الرئاسة اليوم. فالعواصم التي يُراد استرضاؤها لا تحب سماع كلمة «مقاومة»، ولا تعترف إلا بدولة مجرّدة من أي عناصر قوة خارج تعريفها الضيّق. في هذا السياق، تصبح عبارة «الطرف الآخر» أكثر قابلية للتسويق دولياً وأقل استفزازاً للضغوط الخارجية، وأقرب إلى خطاب «إدارة نزاع»، بدل الاعتراف بصراع وجودي مع عدو.
لكن السؤال الأخلاقي يبقى: هل يُعاد تعريف جزء من الشعب اللبناني لغوياً لإرضاء الخارج؟
واستخدام «الطرف الآخر» ليس فقط رسالة للخارج، بل إشارة داخلية أيضاً، ومحاولة لإعادة توزيع الشرعيات داخل البلد، عبر سحب الرمزية من بيئة المقاومة، وتحويلها من «جزء مؤسس في معادلة الوطن» إلى «طرف قابل للإدارة والاحتواء».
بهذا المعنى، تصبح اللغة أداة نزاع سياسي ناعم، لا مواجهة مباشرة، بل تآكل بطيء للشرعية المعنوية.
التوقيت بالغ الدلالة والعبارة لم تُقل في ذروة الحرب، بل بعد وقف إطلاق النار. أي بعدما دُمرت القرى وسقط الشهداء وتهجّر الناس وتعطّلت الأعمال وبقي الإعمار مؤجّلًا، والعودة معلّقة، والوجع بلا خطاب رسمي يوازيه.
في هذه اللحظة بالذات، كان يُفترض برئيس الجمهورية أن يسمّي، يعترف، يحتوي، ويشدّ على الجراح. فجاء العكس، تجريد لغوي في لحظة انكسار اجتماعي.
العبارة تكشف أيضاً عن تصور معيّن للدولة: دولة تقنية، إدارية، بلا ذاكرة، بلا انحياز للضحايا، بلا لغة وجدانية. لكن لبنان لم يُبنَ كدولة تقنية فقط، بل كدولة خرجت من احتلال ومقاومة وحروب وتضحيات جماعية وحين تتعامل الدولة مع هذه الذاكرة كـ«طرف» فهي لا تكون محايدة، بل منفصلة عن مجتمعها.
الأخطر من العبارة نفسها هو تعميمها. فإذا صار هذا المجتمع «طرفًا آخر»، فقد تصبح أي طائفة «طرفاً» وأي حركة مطلبية «طرفاً» وأي اعتراض «طرفاً». ويتحوّل الوطن من شراكة بين مكوّنات، إلى إدارة أطراف متنازعة، تملك السلطة حق تسميتها أو تذويبها لغوياً.
أخيراً اللغة ليست تفصيلًا. كل كلمة موقف، وكل توصيف اختيار. فلا يُبنى وطن بإنكار أحد مكوّناته، ولا تُصان الدولة بتحويل جزء من شعبها إلى «طرف».
قبل الحديث عن السلاح، وقبل النقاش في الاستراتيجيات، وقبل كل ميكانيزم ودبلوماسية، هناك شرط أخلاقي واحد: سمّوا الناس بأسمائهم. اعترفوا بوجعهم. احترموا تضحياتهم. ومن لا يعترف بالمقاومة وبيئتها اليوم، سيجد نفسه غداً «الطرف الأضعف» و«الخاسر وطنه».
صحيفة الاخبار