المقال التالي

لبنان السفارة الأميركية أجلت عبر مطار بيروت العشرات من موظفيها 
منذ ساعة
حزب الله سيرة السيد من الولادة حتى الشهادة 

الاخبار: سيرة حسن نصر الله: ناصر المظلومين وقاهر الظالمين

الاخبار _ وفاء أيوب_الإثنين 23 شباط 2026

سيرة الشهيد السيّد حسن نصر الله: من «حي شرشبوك» إلى النجف وقم، إلى الأمانة العامة عام 1992، مروراً بمحطات التحرير 2000 وتموز 2006، وصولاً إلى استشهاده في 27 أيلول 2024، وتشييعه في 23 شباط 2025.


لسرد سيرة قائدٍ عظيمٍ كالشهيد السيّد حسن نصر الله، لن تكفي بضعة سطور ولا صفحات قليلة. فتلك الروح المجبولة بالفولاذ، والكاريزما التي قلّ نظيرها، والشخصية المرنة والصادقة والزاهدة، والقدوة التي أحدثت تحوّلاً في الصراع العربي الإسرائيلي ووسمت الكثير من المحطات في لبنان والمنطقة على مدى أربعة عقود، تحتاج ربما إلى مؤلفات كاملة للإحاطة بكلّ جوانبها. فهو ذلك البطل القومي والعربي الذي ملأ الدنيا وشغل الصديق والعدو على حدّ سواء. فزلزل بمواقفه نفوس الإسرائيليين، وثبّت معادلات الردع معهم، وجعلهم يتسمّرون على «إجر ونصف» ويحسبون له ألف حساب، حتى باتوا يسمّونه «محور المحور».

ابن «أحزمة البؤس»
تاريخ ولادة السيد الشهيد هو 28 تشرين الثاني عام 1959، وفقاً لتصريحات سابقة لوالده الراحل عبد الكريم نصر الله. أما بحسب السجلات الرسمية، فولد في 31 آب عام 1960. «ولدنا في حيٍ من أحزمة البؤس من أحياء الفقراء في شرق بيروت المسمّى بحيّ شرشبوك في جوار منطقة الكرنتينا، وعشنا في ذلك الحي تقريباً 15 سنة»، يقول السيّد الشهيد في إحدى خطبه. لم ينتمِ نصر الله، الذي يتحدّر من بلدة البازورية في جنوب لبنان، إلى عائلة سياسية تقليدية، بل ترعرع في كنف عائلة فقيرة كانت تسكن بيتاً صغيراً. «قبل أن يولد بأربعة أشهر، كنت نائماً على السرير في غرفة صغيرة لم نكن نملك سواها، وخلال الليل رأيت نوراً وشخصين جلسا بقربي على السرير وقالا لي إنني سأرزق بولدين وبنت وستسمّيهم حسن وحسين وزينب»، و«بعد أربعة أشهر رُزقنا بصبي سمّيته حسن وبعد ذلك، رُزقنا بحسين وزينب، وباقي الأولاد»، يروي والد السيد نصر الله، بائع الخضر آنذاك، السيّد عبد الكريم في إحدى المقابلات المتلفزة.


تنقّل السيد حسن، وهو الأكبر سناً بين 3 أشقاء و5 شقيقات، بين مدارس عدة رسمية وخاصة في برج حمود وسن الفيل والبازورية. «كان مميزاً جداً»، بحسب والده، «عندما كان بعمر الثلاث سنوات كان يأخذ منديل جدته الأسود ويلفه على رأسه ويطلب من الأولاد أن يصلوا وراءه».

 لم ينتمِ نصر الله الذي يتحدّر من بلدة البازورية في جنوب لبنان إلى عائلة سياسية تقليدية، بل ترعرع في كنف عائلة فقيرة

«كان متديّناً بالفطرة»، يقول رفاق الفتى حسن في مدرسة «النجاح» بالكرنتينا، يتلقى المزاح الثقيل من أقرانه بهدوءٍ وخجل، إلا أنّه كان شرساً جداً في رفضه أيّ مزاح يمسّ الدين أو الذات الإلهية.


طفولة ابن حي شرشبوك طبعت جوانب كثيرة من شخصيته، فالمنطقة عبارة عن تجمّع للمحرومين من كل الطوائف وفدوا من مختلف المناطق هرباً من الفقر. «كان الأولاد يفتحون جارور المحل ويأخذون منه المال ليذهبوا إلى السينما والبحر»، أما هو فقد كان يبقي «ربع أو نصف ليرة في جيبه خمسة أو ستة أيام» ليعطيها لاحقاً لفقيرٍ قد يلتقيه، بحسب ما يروي والده.


الإمام الصدر القدوة
منذ حداثته، أبدى السيد نصر الله اهتماماً خاصاً بالدراسة الدينية متأثراً بالإمام السيّد موسى الصدر مؤسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى و«حركة المحرومين» («حركة أمل» لاحقاً).‏‏ فقرّر السير على خطاه والاقتداء به، متمعّناً بخطبه في الكنائس والمساجد والساحات العامة التي كانت تتمحور حول الإنسان والوطن والإيمان والتنمية. فراح يتلقى دروساً دينية بعد الدوام المدرسي في المرحلة المتوسطة، وكان يثير إعجاب مدرّسه الذي كان يصفه بـ«النابغة».


الزوج والأب المكلوم
في العشرينيات من عمره، تزوّج السيّد حسن من السيّدة فاطمة ياسين، وهي من قرية العباسية في جنوب لبنان، ورزق منها بخمسة أبناء هم محمد هادي، محمد جواد، محمد علي، محمد مهدي وزينب.

يروي والد السيّد أنّه عندما قرّر الزواج، سأل العلامة السيّد محمد حسين فضل الله خلال عقد القران: «كيف سيتحمّل ابني مسؤولية امرأة وأولاد وعائلة ووضعنا المادي والمعنوي في ظل التهجير لا يسمح لنا بذلك؟» فأجابه قائلاً: «ابنك لا يتحمّل فقط مسؤولية امرأة، ابنك يتحمّل مسؤولية وطن».

الراحل السيد عبد الكريم نصر الله يروي قصة زواج نجله الشهيد (الميادين)
ولا ريب في أنّ السيّد حسن كان يرى في الزوجة «السند والطمأنينة»، وقد جاهر بذلك مراراً مقرّاً بأنّ لزوجته الفضل في تنشئة أولاده نتيجة غيابه المستمر عنهم.

وفي العام 1997، استشهد ابنه هادي في عملية بطولية بمنطقة الجبل الرفيع في جنوب لبنان، وكان عمره آنذاك 18 عاماً. وعقب تلقيه النبأ، أذهل السيّد نصر الله بتماسكه كلّ من رآه، فوقف خطيباً في تأبين فلذة كبده كما يقف في تأبين أيّ مقاومٍ استشهد في حزب الله، وحرص على أن يكون التأبين عادياً. ‏يومها، روى كيف ودّع هادي والدته ثم قبّله ومضى في مهمّة جهادية، وكيف أنّه عندما تلقى الخبر صلّى معتبراً أنّ الله أكرم عائلته بالشهادة. ورغم حزنه، كان يتحدّث بطلاقة، وكان حريصاً على ألا تأخذ صورة ابنه حجماً أكبر من صور غيره من الشهداء. ويروي من وقفوا إلى جانبه يتلقون التعازي أنه أغمض عينيه على دمعتين فقط ثم انصرف إلى الصلاة، وعندما عاد ابنه جثةً بعد عملية التبادل الشهيرة اختلى به مكفّناً وبكى وقرأ لروحه آيات وأدعية ومسح رأسه ثم قبّل جبينه وانصرف.‏‏


من البازورية... إلى النجف
عند اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في نيسان 1975، عاد السيّد حسن مع عائلته إلى البازورية، حيث واصل تعليمه في المرحلة الثانوية. وعلى الرغم من صغر سنه تمّ تعيينه مسؤولاً تنظيمياً للبلدة في «حركة أمل».‏‏ وفي مسجد صور أخذ يؤمّ المصلين، حيث تعرّف إلى العلامة السيّد محمد الغروي الذي كان الإمام الصدر قد انتدبه ليحلّ محله في المدينة. وفاتحه برغبته في الذهاب إلى الحوزة العلمية في النجف، فشجّعه وسهّل له الطريق وحمّله «رسالة توصية» إلى المرجع السيّد محمد باقر الصدر الذي كانت تجمعه بالغروي صداقة قوية، وهكذا كان. جمع السيّد نصر الله ما تيسّر من المال، وتوجّه إلى النجف التي وصلها خاليَ الوفاض.‏‏‏

أبدى السيد نصر الله اهتماماً خاصاً بالدراسة الدينية متأثراً بالإمام السيّد موسى الصدر

في النجف، بدأت مرحلة أخرى من مراحل تكوين شخصيته، فهناك تعرّف إلى السيد عباس الموسوي، الذي تربطه صلة وثيقة بالمرجع الديني الصدر. وهكذا بدأت العلاقة بين السيّدين نصر الله والموسوي الذي بات أخاً وصديقاً وأستاذاً ورفيق نضال على مدى 16 عاماً حتى استشهاده.

السيّدان الشهيدان حسن نصر الله وعباس الموسوي
اهتمّ السيد الموسوي بالشاب اليافع بناءً على طلب الصدر. وتكفّل بتدريس السيد نصر الله ضمن مجموعة طلاب متقاربي الأعمار، بجدية وحزم، فاستطاعوا أن ينجزوا في سنتين ما يحتاج طلاب الحوزة عادةً إلى إنجازه في خمس سنوات.

الالتحاق بالخلايا الأولى لحزب الله
في عام 1978، ازدادت مضايقات النظام العراقي لطلبة الحوزة ووصلت إلى طرد العديد منهم. ومع نشوب الحرب اللبنانية، أخذ النظام يوجه اتهامات شتى إلى الطلاب اللبنانيين تارةً بانتمائهم إلى «حركة أمل» وحزب «البعث» السوري والمخابرات السورية، وطوراً إلى حزب «الدعوة»، حتى عمد إلى طردهم بعدما اعتقل بعضهم أشهراً. واستطاع حينها السيّد أن يعود إلى لبنان سالماً.‏‏‏ إلا أنّ فرحة عودته عكّرها خطف السيّد موسى الصدر في ليبيا في أكثر المراحل حرجاً ودقةً في لبنان وبعدما استطاع الأخير تأسيس قاعدة وطنية قابلة للتوسّع على أسس مطلبية واجتماعية.‏‏

كما كان للاجتياح الإسرائيلي، في العام نفسه، أثراً بالغاً في نفس السيّد نصر الله ووجدانه. وبعد عودته من النجف، توجّه إلى بعلبك حيث أسّس الموسوي مدرسة تعتمد مناهج النجف نفسها لإكمال ما لم يستطع الطلاب إكماله هناك.‏‏ وأصبح السيّد مسؤولاً تنظيمياً للبقاع في «حركة أمل».

السيّد الشهيد حسن نصر الله برفقة السيّد الشهيد عباس الموسوي في إحدى المناسبات
وفي سنة 1982، انسحب نصر الله مع مجموعة من المسؤولين والكوادر من «حركة أمل» إثر خلافات جوهرية مع القيادة السياسية للحركة آنذاك حول سبل مواجهة التطوّرات السياسية والعسكرية الناتجة عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، والتحق بالخلايا الأولى لحزب الله، التي وضعت تحرير لبنان من الاحتلال هدفاً أساسياً لها.

انطلاقة «صعبة»
شكّل نصر الله والموسوي وإبراهيم أمين السيد والشيخ نعيم قاسم وغيرهم نواة حزب الله التي بدأت العمل سرياً ثم أخذت تتكشف شيئاً فشيئاً، لكنّ الإعلان الرسمي الحقيقي لها بدأ بعمليةٍ استشهادية قام بها أحمد قصير في 11 تشرين الثاني 1982.

السيّد الشهيد حسن نصر الله في بداية عمله المقاوم
ويقول السيّد نصر الله عن نشأة حزب الله إنّ «الفكرة لبنانية محضة، يعني من اللبنانيين أنفسهم، من هؤلاء الإخوة، وحظيت بمباركة الإمام الخميني في إيران، باعتبار أنّ هؤلاء جميعاً كانوا يلتقون على نقطة أساسية هي قيادة الإمام الخميني كإمام للأمة، وبالتالي الغطاء الشرعي والديني الذي تحتاجه هذه الحركة الجديدة، وخصوصاً أنها حركة ستقاتل، أي ستتحمل مسؤوليات دماء وأعراض وأموال ومواجهة وقتال لسنوات طويلة». ويؤكد أنّ «السنوات الأولى من انطلاقة حزب الله كانت صعبة جداً، ففي الأيام الأولى، كان بعض الناس يقولون إنّ هذا طريق مجنون، وإمكاناتكم متواضعة، لكنّ ما حققته المقاومة كان نتيجة توافر الإرادة والإيمان والعزم واليقين والثقة أيضاً».

ومع بدء الهياكل القيادية لحزب الله بالظهور إلى العلن، في منتصف الثمانينيات، انتقل السيّد من البقاع إلى بيروت، حيث عُهدت إليه المسؤولية السياسية، التي ما لبثت أن تحوّلت لاحقاً إلى مسؤولية تنفيذية وتنظيمية.

السيّد الشهيد حسن نصر الله مسؤولاً تنظيمياً
في ذلك الوقت، أعلن نصر الله أنّه يريد استكمال تحصيله العلمي في قم الإيرانية، ما حدا بكثيرين إلى التكهّن بأنّه غاب إما لأنّه كان صاحب رأي مخالف أو لأنّه أراد النأي بنفسه عن السجالات الداخلية التنظيمية التي نشأت داخل الحزب، فيما تحدث آخرون عن «فترة تحضير» إقليمية لتمكينه من نسج علاقات جيدة، وخاصةً مع طهران ودمشق.‏‏

عام 1990، قرّر السيّد العودة إلى لبنان. حينذاك كانت أحداث كبيرة تعصف بالمنطقة وبلبنان من بينها اجتياح صدّام حسين للكويت، وبدء تنفيذ «اتفاق الطائف» الذي أنتج سلطة رفضت المساومة على المقاومة، والسماح لدمشق بدورٍ أكبر في لبنان بعد إطاحة العماد ميشال عون، وهو ما رأى فيه نصر الله فرصةً كبيرة لدعم المقاومة.‏‏

الأمانة العامة... والكاتيوشا
في العام 1992، وبعد استشهاد الأمين العام لحزب الله السيّد عباس الموسوي، قرّر مجلس شورى الحزب بالإجماع تعيين نصر الله أميناً عاماً رغم رفضه لذلك كونه الأصغر سناً بين أعضاء المجلس، حيث كان يبلغ 32 عاماً.

وهنا، يقول السيّد، الذي بكى أستاذه ورفيق نضاله وعاهده في تشييعه أنّه سيكمل الطريق، إنّه بعد استشهاد الموسوي أرادت إسرائيل استكمال حربها النفسية، فبدأت بقصف بلدات وقرى بغية تهجير أهلها، أي أنّها أرادت خلق فراغ على مستوى القيادة وتفريغ الأرض على مستوى القاعدة، الأمر الذي استدعى رداً استثنائياً من الحزب، وهو القرار الأول له كأمين عام، فكانت الكاتيوشا. فعادت عشرات العائلات في الجنوب إلى قراها، رغم شراسة القصف الإسرائيلي، فيما هرعت عشرات العائلات الإسرائيلية إلى الملاجئ مذعورة من صواريخ المقاومة.‏‏

«سيّد المقاومة» يوهن إسرائيل
خلال توليه الأمانة العامة، استحق نصر الله لقب «سيّد المقاومة والتحرير»، حيث خاضت المقاومة عدداً من الحروب والمواجهات البطولية مع جيش الاحتلال، كان أبرزها حرب «تصفية الحساب» في تموز 1993، و«عناقيد الغضب» في نيسان 1996 التي توّجت بـ«تفاهم نيسان» الذي كان أحد المفاتيح الكبرى لتطوّر نوعي لعمل المقاومة أتاح لها تحقيق الإنجاز التاريخي الكبير المتمثل بتحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية في أيار 2000، مروراً بالانتصار التاريخي والإستراتيجي في حرب تموز 2006، وصولاً إلى حرب إسناد غزة الأخيرة.

ويسجَّل لنصر الله أنَّه أدار بعقلٍ أمني حرباً استخباراتية هزّت أسطورة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر»، وفي هذا المجال، تسجّل قرى الجنوب عشرات المواجهات التي اصطادت بها المقاومة الجنود الإسرائيليين بعد استدراجهم وتضليل قياداتهم.

وبعد تحرير عام 2000، كان الخطاب المدوّي من بنت جبيل حيث قال: «أرضك تستطيع أن تستعيدها بإرادتك، بخيار عز الدين القسام، بدماء فتحي الشقاقي، ويحيى عياش يمكنك أن تستعيد أرضك، دون أن يمنّ عليك هذا الصهيوني بزاروب هنا أو قريةٍ هناك». فقد كان نصر الله القائد العربي الأول الذي يذلّ العدو الإسرائيلي ويجبره على الانسحاب من دون أي شروط، ويثبت للعالم كله أنّ «إسرائيل هذه، التي تملك أسلحة نووية وأقوى سلاح جو في المنطقة، واللهِ هي أوهن من بيت العنكبوت».

السيّد الشهيد حسن نصر الله في بنت جبيل في أيار 2000
كما تحوّل بعد انتصار تموز 2006 إلى بطل عربي وقومي، فبات كلّ لسان يلهج بعبارته الشهيرة التي أحدثت تحوّلاً في المواجهة مع العدو: «البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية، وعلى بيوت الناس، وعلى المدنيين، أنظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الإسرائيليين الصهاينة».

من كلمة السيّد الشهيد حسن نصر الله خلال حرب تموز 2006
وفي العام 2008، كلّل السيّد نصر الله انتصاراته بإنجاز تحرير الأسرى اللبنانيين وعلى رأسهم عميد الأسرى الشهيد سمير القنطار. وهو إنجازٌ كان يراه مهماً بقدر أهمية تحرير الأرض.

وبقيادته، تمكّنت المقاومة حتى عام 2022 من تثبيت توازن ردع مع العدو، بعدما كانت الأراضي والأجواء اللبنانية مستباحة. فلم يعد يجرؤ الإسرائيليّ، حتى ذلك التاريخ، على شنّ عدوان أو عملية في لبنان.

خوض غمار السياسة
خاض حزب الله، بقيادة نصر الله، غمار الحياة السياسية الداخلية بشكلٍ واسع. فشارك في العام 1992 في أول انتخابات نيابية تُجرى بعد الحرب الأهلية في لبنان، وحقّق فوزاً مهماً تمثل في إيصال 12 نائباً من أعضائه إلى البرلمان، مشكّلاً بذلك كتلة «الوفاء للمقاومة».‏‏ وفي تلك المرحلة، انفتح الحزب على مختلف المرجعيات الدينية والسياسية في الداخل ما شكل نقلةً نوعيةً سياسيةً في مسيرة الحزب.

بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 تعرّض لبنان لأزمة داخلية حادة اقترب فيها إلى حدّ الحرب الأهلية، إلا أنّ السيد نصر الله استطاع بحنكةٍ سياسيةٍ وبأسلوبه الدمث وحجّته المنطقيّة أن يمتصّ غضب مؤيّدي الحريري ويطفئ فتنةً كادت أن تودي بالسنة والشيعة في لبنان إلى ما لا يحمد عقباه. كما استطاع دفع الاتهام السياسي عن حزب الله باغتيال الشهيد الحريري من دون قطيعةٍ سياسيةٍ مع الرئيس سعد الحريري.

وفي أيار 2008، اتخذ السيد نصر الله قراراً صعباً ما كان ليتخذه لولا سقوط شهداء من مناصريه نتيجة أحداث أمنية. فكانت عبارته الشهيرة «لن نُقتل بعد اليوم في الطرقات، لن نقبل بأن تطلق علينا النار من أيّ كان». وبالتوازي، قرر الحزب التصدي لما اعتبره تجاوزاً للبيان الوزاري الداعم للمقاومة بعد صدور قرارين عن مجلس الوزراء بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بالحزب وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير. فكانت أحداث 7 أيار التي عرّضت السيد نصر الله ومعه حزب الله لانتقادات حادة وواسعة.

وفي عام 2009، أصدر حزب الله وثيقةً سياسيةً أعلن بموجبها تحوّلاً عميقاً في العقيدة، إذ طالب الحزب بإصلاح النظام السياسي في لبنان وإلغاء الطائفية السياسية، لكن من دون التخلي عن فكرة ولاية الفقيه. وقد عبّر نصر الله في مقابلة صحافية عن موافقة حزب الله على مبدأ نهائية الكيان واعتناقه له.

وهكذا بين عامي 1985 و2009، بدت لمسات السيد جليّة على أداء الحزب في الداخل اللبناني وخارجه، حيث كان يجمع بين حماية لبنان واستقراره والدور الإقليمي الأبعد. وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في عام 2005 شارك الحزب في الحكومة ما جعله ركناً سياسياً أساسياً في البلاد.

مساندة دمشق والحرب على التكفيريين
ببصيرته وعمق رؤيته، استشرف السيّد حسن بأنّ سقوط سوريا بيد التكفيريين هو سقوط للمنطقة بأكملها وانهزام أمام المشروع الأميركي الإسرائيلي، وبالتالي خسارة القضية الفلسطينية، وانطلاقاً من ذلك حسم، في أيار 2013، قراره مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب الجيش السوري ضدّ الإرهابيين.

كما مثّل هذا القرار عملاً استباقياً هدف إلى عدم السماح لهؤلاء المقاتلين بالسيطرة على الحدود اللبنانية- السورية. فكانت معركة تحرير الجرود في آب 2017 والتي حقّق فيها نصراً جديداً رغم ما تعرّض له من انتقادات.

فلسطين البوصلة... وآخر الحكاية
لطالما اعتبر السيّد نصر الله فلسطين «القضية الأولى في العالم»، وعدّها عنواناً للصمود ومرآةً للشرف العربي. وجعل من القضية الفلسطينية قضيةً مركزيةً في خطابه السياسي. وهو كان يؤكد مراراً أنّ جملة أهداف المقاومة في غزة هي إعادة إحياء القضية الفلسطينية والتذكير بحقوق الشعب الفلسطيني. وكان يعي أن لا سلام في العالم إلا بتحرير فلسطين. ولا شكّ في أنّه، لذلك، كرّس حياته وقدّم نجله ثم نفسه من أجل هذه القضية.

مقتطف من كلمة السيّد الشهيد حسن نصر الله في يوم القدس العالمي 2013 (الجديد)
ومنذ اندلاع «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول 2023 انخرط حزب الله في المعركة في اليوم التالي عبر قصف مواقع الاحتلال في مزارع شبعا في رسالة تضامنٍ مع المقاومة الفلسطينية في غزة. وشهدت الحدود الفلسطينية اللبنانية هجماتٍ لحزب الله وفصائل فلسطينية في حين شنَّ الاحتلال غارات عدوانية. وبعد أسابيع من المواجهات العسكرية، ظهر السيّد نصر الله في أول خطاب له في 3 تشرين الثاني 2023 مؤكداً أنّ جبهة لبنان التي فتحها حزب الله هي «جبهة إسناد وتضامن»، وأنّ نصرة غزة هي واجب أخلاقي وإنساني وديني.

اختُتمت حياة السيّد نصر الله الدنيوية كما كان يطمح ويتمنى شهيداً «على طريق القدس» في 27 أيلول 2024، بعدما شنّ العدو غاراتٍ عدة على مقرّ الحزب في الضاحية الجنوبية. ورفض، حتى اللحظة الأخيرة، أن يتخلّف عن أداء الواجب نصرةً للمقاومة في قطاع غزة. وها هو، رغم استشهاده، ما زال حاضراً في إرثه الثقافي والديني والاجتماعي والسياسي وتاريخه الطويل من النضال والمقاومة. وما زالت الحشود تهتف: «لبّيك يا نصر الله» و«هيهات منّا الذلة». ولا شكّ في أنّ تاريخ «حسين عصرنا» لن يفنى وسيحفر عميقاً في القادم من الأجيال كما حفر في قلب وعقل من عاصره. وهو القائل: «الموت في عقيدتنا ليس فناء، ليس نهاية شيء، وإنما هو بداية حياة حقيقية».

صحيفة الاخبار

الكلمات المفتاحية

مقالات المرتبطة