المقال السابق

إقتصاد صندوق النقد يؤنّب سلامة: خسائركم 100 مليار دولار
29/05/2020

المقال التالي

لبنان المجلس النيابي تفادى رذيلة العفو عن العملاء 
28/05/2020
رأي أمريكا التي تزعم أنها بلد الحريات..غارقة في العنصرية

*مصطفى قطبي

يميل الكثير من المراقبين إلى اعتبار جريمة مقتل الشاب ''جورج فلويد'' من أصول أفريقية بطريقة وحشية، أثناء القبض عليه من قبل أربعة عناصر شرطة في ولاية مينسوتا الأميركية، بأنها حادثة غير معزولة وتؤشر إلى تنامي ظاهرة العنف والتطرف والتمييز العنصري في المجتمع الأميركي ضد الأقليات وعلى رأسها الأقلية السوداء. وأظهر مقطع فيديو حصد ملايين المشاهدات بعد بثه وتسريبه بساعات عملية الاعتداء الوحشي على الرجل بعد تثبيته على الأرض والضغط على رقبته بالقوة حتى فارق الحياة، وأوضح الفيديو كيف أن الرجل كان يستغيث تحت ركبة رجل الشرطة ويقول مرارا "لا أستطيع التنفس"، ولكن استغاثته تلك لم تجد طريقا للرحمة عليه، ما يظهر مدى استفحال ظاهرة العنصرية المتفشية لدى أجهزة الأمن الأميركية.

وأشعل مقتل ''جورج فلوريد'' موجة غضب ضد رجال الشرطة، وفتحت طريقة قتله صفحات من الأزمة والعنصرية بين الدولة والشعب، ودفع إلى المواجهة في الشارع، حيث شهدت مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية أعمال عنف واشتباكات بين مئات الأمريكيين ورجال الشرطة خلال مظاهرة الاحتجاج. هذه الاحتجاجات تؤكد على السلوك العدائي للأميركيين أصحاب البشرة البيضاء، تجاه مواطنيهم من السود، ويجدد مرات ومرات على أن الكلام المنمق الذي تستخدمه الإدارات الأميركية المتعاقبة للحديث عن بعض وجوه المساواة والعدالة المتحققة في المجتمع الأميركي، ليس حقيقة في المجمل، وإنما في جزء منه فقط، وهو يخفي خلفه صورة قبيحة لهذه الدولة، لا يمكن قبولها في القرن الحادي والعشرين، ويدلل في الوقت ذاته على أن الاضطهاد والعنصرية متأصلان في الولايات المتحدة، رغم أن الدعاية الأميركية منذ زمن طويل تحاول أن تصور هذه البلاد وشعبها بأنهم يعيشون في مدينة فاضلة أشبه بمدينة أفلاطون.‏

الحادثة التي شهدتها مدينة منيابوليس، أعادت طرح دفعة كبيرة من الأسئلة المتعلقة بمسألة التمييز العنصري الذي يمارسه مجتمع البيض ضد أصحاب البشرة السمراء، لتطفو على السطح من جديد مشاعر القلق والتوجس والخوف لدى ملايين المواطنين الأمريكيين السود الذين يعيشون في ظل نظام أبيض مازالت سلطاته وبخاصة جهاز الشرطة يعاملهم كالعبيد.‏ وفي السابق، قال أحد القادة الأمريكان (لقد خلقنا الله أساتذة العالم كي نتمكن من نشر النظام، حيث تسود الفوضى وجعلنا جديرين بالحكم كي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة وقد اختار الله الشعب الأمريكى ليقود العالم) هكذا قال وله كل الحق فيما يقول، ولكن التاريخ لم يقل ذلك بل كان قاسيا عندما سرد لنا الحكايات فكم من ممالك هلكت وكم من إمبراطوريات تلاشت وكم من قوى عظمى انهارت...

وللأسف، فرغم مرور أكثر من مائة وخمسين عاماً على قانون ''تحرير العبيد'' الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن، وأكثر من خمسين عاما على الحركة الاحتجاجية الشهيرة التي قادها القس الأسود مارتن لوثر كينغ ضد التفرقة العنصرية بحق أصحاب البشرة السوداء، ما زال السود في أميركا يضطهدون ويعاملون بطريقة سيئة لا تليق بالبشر، ويقتلون على يد أفراد الشرطة والأمن لأبسط الأسباب ودون أن يلقى القتلة أي محاسبة تذكر، وهناك حوادث كثيرة تمت فيها تبرئة القاتل وإخلاء سبيله لأنه فقط ينتمي لمجتمع البيض. 

أما الرئيس ترامب، فيقف عاجزاً عن إنصاف ذوي الأصول الأفريقية، وكبح جماح ما يتعرضون له من انتهاكات من قبل الشرطة التي أفرطت باستخدام العنف والقمع ضدهم، فالشرطة لا تكف عن تجاهل حقوقهم، وبخاصة بعد أن أعطيت الضوء الأخضر لممارسة التحقيق والبحث والاحتجاز وإطلاق النار عموماً على أي مشتبه به، وبمباركة تامة من المحاكم، فالموظفون المكلفون بحماية القانون في واشنطن ليسوا بعد مكلفين بخدمة الشعب والحفاظ على السلام، بل هم في الواقع يحشدون الشعب تحت السيطرة ويعاملون الناس معاملة الأعداء أو المشتبه بهم بدلاً من اعتبارهم مواطنين. 

ومن جهة ثانية فإن وزارتي الدفاع والأمن الداخلي لم تتوقفا عن العسكرة والفدرلة، حيث تتحول قوات الشرطة إلى متممات للجيش مدججة بالسلاح ومزودة بالخوذ والدروع والهراوات والبنادق الصاعقة والدبابات المصغرة والطائرات من دون طيار المسلحة في ظل تدريب الشرطة لتظهر وتعمل على غرار الجيش باستخدام تكتيكات الحرب والأسلحة ضد المواطنين الأمريكيين ما يساهم تالياً في تحويل الولايات المتحدة إلى ساحة معركة وذلك وقوفاً عند رغبة الحكومة في واشنطن.

أما المحاكم فلم تتوقف عن السير بمحاذاة الدولة البوليسية، علماً أن المحاكم لا تزال تخضع لسيطرة الفنيين الذين يطيعون السلطة، والواقع أن قرارات المحكمة العليا في السنوات الأخيرة طغى عليها في معظم الأحيان طاعة كاملة لسلطة الحكومة والجيش ومصالح الشركات، في حين قامت بقمع حرية التعبير وتسويغ التفتيش العاري ومداهمة المنازل من دون إذن قضائي إضافة إلى منح الحقوق الدستورية للشركات الخاصة وتجريد المواطنين منها في الوقت ذاته. أضف إلى ذلك أن البيروقراطيين الحكوميين لم يكفوا عن تحويل المواطنين الأمريكيين إلى مجرمين، فالمواطن العادي يبدو وكأنه يرتكب الآن ثلاث جنايات يومياً، وذلك بفضل وفرة من القوانين الغامضة التي تجعل النشاط البسيط ''غير شرعي''، في حين تعزز قوة الدولة البوليسية.

المثير للاستغراب والاستهجان هو أن أميركا التي تتباهى بالديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وتقوم بتقسيم الدول إلى محاور خير وشر واعتدال وتطرف وتضعهم على لوائح سوداء وملونة على أساس احترام حقوق الإنسان، وتشن حروباً باسم هذه الحقوق والديمقراطية، هي المتهمة هذه المرة بالتنكر لحقوق مواطنيها واضطهادهم والتمييز بينهم على أساس اللون والعرق والدين، لكن من يعرف التاريخ الأميركي القصير نسبياً لا يستهجن مثل هذه الحوادث والانتهاكات... 

فهذا التاريخ مليء بحكايات الرق والعبودية والتمييز العنصري ضد السود، وإذا ما قلبنا صفحات الماضي قليلا لوجدنا بأن الحضارة الأميركية الحالية قامت على أساس إبادة وطرد السكان الأصليين واستعمار واحتلال أرضهم، وقصتها مع الهنود الحمر ليست بحاجة للكثير من الشرح لأنها معروفة للقاصي والداني، ولا يقلل من هذه الحقيقة أو يضعفها وجود وزراء في الحكومة أو نواب في الكونغرس، لأن القوانين والدساتير الجميلة ليست فقط ما يكتب على الورق بل ما يطبق على أرض الواقع، وقد أثبتت الولايات المتحدة في مناسبات كثيرة أنها في مقدمة الأنظمة العنصرية التي تنتهك حقوق الإنسان وتضرب بعرض الحائط القوانين الدولية، وما تحالفها مع الكيان الصهيوني ودفاعها المستميت عن انتهاكاته وجرائمه بحق الفلسطينيين، وسكوتها عن تصرفاته القمعية الراعية للإرهاب سوى دليل على هذه الحقيقة.‏

ثمة ملفات خاصة بالعنف وتوظيف القوة المفرطة يمكن أن تفتح من وقت لآخر، بخاصة وأنها لا يمكن أن تغلق على نحو نهائي. ويضطلع الإعلام الأميركي (لا أدري لماذا أو كيف) بالعمل على إشاعة ملفات أخطاء الأجهزة القمعية داخل الولايات المتحدة، فيندر أن يمر يوم دون سماع أخبار عن ضحايا سود قتلوا أو أودعوا السجون بلا ذنوب، أو أفرج عنهم بعد عقود، ليتبين خطأ محاكمتهم وخطأ إدانتهم !

لقد حاولت أميركا تلميع صورتها عبر إيصال عدد من الأمريكيين السود إلى مواقع في السلطة إلا أن ذلك لن يغير شيئا في فكر ومنهجية الولايات المتحدة الأمريكية العنصرية والعدوانية على مواطنيها السود... بلد الحريات غارقة في عنصريتها لا تعرف قانونا ولا حرية ولا شريعة سوى شريعة الغاب، في حين أن ابن خلدون قدم للعالم من الشرق أسس تكوين الدولة العادلة التي تتيح الفرص لكل أبناء الأمة على العمل وتطوير إنتاجهم وصنائعهم مما يرقى بالحياة... وأما الظلم فهو على العكس، طريق الخراب والاضمحلال يؤدي إلى انقباض الناس وضمور نشاطهم وانهيار البلاد... منذ أكثر من قرنين من الزمن لم يتوقف العالم عن نشر وتحليل كل ما يتعلق بفكر وعلم ودراسات ابن خلدون... فهل أميركا يناسبها نهجه الإنساني.. ؟ !

خلاصة الكلام: جريمة الأبيض ضد الأسود، تتجدد باستمرار في أكثر من مدينة أميركية، لتظهر الوجه الحقيقي لسياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة، والتي تتبجّح بالدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة، والديمقراطية المزعومة لسلطاتها الأمنية والقضائية، الموغلة في دماء المواطنين الأميركيين السود وغيرهم من الأعراق الأخرى.‏

*باحث وكاتب صحافي من المغرب.
 

بريد المحور

الكلمات المفتاحية

مقالات المرتبطة