الاخبار _ نور محمود_الخميس 23 نيسان 2026
يتعمد جيش الاحتلال الإسرائيلي العمل على إخماد أيّ صوت يفضح أفعاله، فالجريمة لم تبدأ بالصاروخ الذي أصاب سيارة آمال خليل في بلدة الطيري، ولم تنتهِ بالقذيفة التي لحقت بها إلى المنزل الذي احتمت به.
في جنوب لبنان، لا تُروى القصص بالحبر وحده، بل بما يتركه الدخان على الجدران، وبما تحفظه الأرض من آثار الذين مرّوا ودفنوا في ترابها، وتركوا أثر الكلمة المقاومة. هناك، لم يكن حضور «مراسلة الأخبار»، كما أحبت الشهيدة آمال الخليل أن تسمي نفسها على مجموعات الأخبار العاجلة، مجرّد تغطية عابرة، بل كان امتدادًا لصوتٍ يعرف طريقه إلى الناس، وإلى الحقيقة في أكثر لحظاتها وضوحًا.
اليوم، لم تُستهدف آمال لأنها في المكان الخطأ، بل لأنها كانت في المكان الصحيح تمامًا: حيث يجب أن تكون الكاميرا، وحيث ينبغي أن يُقال الحدث ويُنقل الخبر.
الحرب على الشهود حين تصبح الكاميرا هدفًا
لم تبدأ الجريمة بالصاروخ الذي أصاب سيارة آمال خليل في بلدة الطيري، ولم تنتهِ بالقذيفة التي لحقت بها إلى المنزل الذي احتمت به، وبمنع فرق الإنقاذ للوصول اليها، ما جرى يكشف نمطًا واضحًا: ملاحقة الشاهد، لا إسكاته فقط، بل منعه من النجاة أصلًا.
في هذا السياق، لا يعود استهداف الصحافيين الممنهج تفصيلًا عرضيًا، بل يتحول إلى جزء من استراتيجية أوسع: إفراغ الميدان من العيون التي ترى، ومن الأصوات التي توثق. فالصحافي هنا لا يُنظر إليه كمدني محايد، بل كخطر مباشر لأنه يحمل ما لا يمكن محوه بسهولة: الدليل.
آمال خليل لم تكن تحمل سلاحًا، لكنها كانت تحمل ما هو أكثر إزعاجًا للعدو: رواية حقيقية تُروى من قلب الحدث، بلا تزييف. حيث يتجلى التباين الصارخ، آلة عسكرية تملك القوة النارية الوحشيّة، في مواجهة صحافية تملك الكلمة والصورة فقط، يبرز أكثر ما يخشاه العدو، ان تكون حقيقة اجرامه ووحشيّته موثقةًً بالدليل القاطع، بالكلمة الحرّة، بالصوت والصورة.
بينما، يُلاحق الصوت، وتُقصف العدسة، ويُستهدف من يحاول أن يوثق الحقيقة، ان يقولها بكل شجاعة: «هنا حدث ما يجب أن يُرى». آمال الخليل لم تكن تبحث عن بطولة، بل عن حقيقة. لم تكن تتقدم نحو الخطر بدافع المغامرة، بل بدافع المهنة التي تحوّلت، في هذه الجغرافيا، إلى موقف أخلاقي.
الدولة الغائبة: حين يُعلَّق الإنقاذ على إذن القاتل
في موازاة الجريمة نفسها، يبرز مشهد آخر لا يقل قسوة: عجز الدولة وتهاونها أمام حدث بهذا الحجم. لم يكن التأخر في إنقاذ آمال نتيجة تعقيدات ميدانية فقط، بل نتيجة ارتهانٍ قاتل لإجراءات تُقيّد حتى فعل النجدة.
حيث بقيت فرق الإسعاف والصليب الأحمر عاجزة عن الوصول، تنتظر ما يُعرف بـ «إذن الميكانيزم»، أيّ موافقة العدو نفسه، للدخول إلى موقع الاستهداف، الدخول الى «أرضه». أيُّ مفارقة أشد مرارة من أن يُصبح إنقاذ صحافية على أرضها، وبين أهلها، وخلال تأديّة عملها وواجبها رهن إشارة من الجهة المُعادية التي استهدفتها؟
هذا المشهد لا يعكس فقط خللًا تقنيًا أو ظرفًا استثنائيًا، بل يكشف عن أزمة سيادة حقيقية، حيث تتراجع قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتتحول حياة المدنيين إلى تفصيل مؤجل بانتظار قرار عدوّها. اذ سُمح لهم بالدخول بعد ساعات المماطلة المُذلّة، وبعد ان تأكدوا أنها فارقت الحياة. هنا، لا تكون المأساة في الاستهداف وحده، بل في الزمن الذي تُركت فيه الضحية معلّقة بين الحياة والموت، فيما الأبواب المسؤولة مغلقة بإرادة العدو.
القانون في جهة والواقع في جهة أخرى
النصوص الدولية واضحة في حماية الصحافيين أثناء النزاعات المسلحة، وتؤكد أن استهدافهم يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. لكن هذه النصوص، رغم وضوحها، تقف عاجزة حين لا تجد من يفرضها.
في حالة آمال خليل، كما في حالات كثيرة قبلها، من زملائها الذين تم استهدافهم بشكل ممنهج ومقصود خلال العدوان الإسرائيلي على البلاد، يبدو أن الفجوة ليست في غياب القوانين، بل في غياب المساءلة. إذ يتحول القانون إلى وثيقة أخلاقية بلا قوة تنفيذ، فيما يستمر الاستهداف كأنه أمر اعتيادي. وهنا تكمن المأساة: ليس فقط في القتل، بل في إمكانية تكراره دون رادع.
الجريمة حين تتكرر تصبح نهجًا
حين يُستهدف صحافي مرّة، قد يُقال إنه «خطأ». حين تتكرر الاستهدافات، بالنمط ذاته؛ استهداف مركبات إعلامية، ملاحقة إلى أماكن اللجوء، ضرب واضح للمدنيين العاملين في الإعلام، منع فرق الإنقاذ من الوصول إليهم، فإنّ الأمر يتجاوز كل ذلك ليكون آلة قتل متعمد اخماداً لصوت الحق والحقيقة.
نحن هنا أمام سلوك ممنهج، لا يمكن عزله عن سياق أوسع من محاولات إسكات التوثيق الميداني. وما حدث اليوم مع آمال الخليل ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة تشير بوضوح إلى أن من يقترب من الحقيقة أكثر مما ينبغي، يصبح هدفًا مشروعًا في نظر آلة الهيمنة الإمبريالية.
الدم الذي لا يُسكت الرواية
برحيل آمال، شمس الجنوب، مراسلة الاخبار الشجاعة، لم تُطوَ الحكاية. على العكس، اتسعت. لأن كل محاولة لإسكات شاهد، تترك أثرًا مضاعفًا في الذاكرة، وفي الإصرار على التوثيق، والاستمرار في فضح جرائم العدو وعدوانه وانتهاكاته الصارخة، ووحشيته وهمجيّته العلنيّتين.
كما أنّ الرسالة التي أراد العدو إيصالها واضحة، «الميدان يجب أن يبقى بلا شهود»، لكن النتيجة غالبًا ما تكون معاكسة: فكل صوت يُستهدف، يتحول إلى صدى أبعد. وكل عدسة تُحطم، تُولد عشرات العدسات.
وعليه، آمال الخليل لم تُقتل لأنها أخطأت الطريق، بل لأنها أصابت الحقيقة. ولهذا، فإن غيابها لا يُغلق الرواية… بل يجعلها أكثر حضورًا.
حين يصبح الإعلام موقفًا
في لحظات كهذه، لا يعود الإعلام مجرد نقل للخبر، بل يصبح انحيازًا واضحًا: إلى الإنسان، إلى الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.
استشهاد أيقونة الاخبار، ليس خسارة مهنية فقط، بل هو اختبار لمعنى الكلمة نفسها: هل تبقى حيّة رغم كل محاولات إسكاتها؟
التجربة تقول نعم. والتاريخ كذلك. لأن الحقيقة، مهما حوصرت، تجد دائمًا من يحملها، يمضي ويكمل بها، حتى لو كان الثمن؛ الحياة نفسها.
صحيفة الاخبار