المقال التالي

إقليمي الحرس الثوري يضرب قواعد أميركية في الكويت والبحرين 
منذ 3 ساعات
من الصحف نداء إلى مستشاري الرئيس: رئيسكم فوق الشجرة

الاخبار : عماد عطالله_الأربعاء 3 حزيران 2026

سيادة الرئيس صعد على الشجرة ولم يعد، فأصبح الرئيس مفقوداً في ساحة العمليات وسط هجوم العدو على البلد. لم يتبقَّ من سيادة الرئيس سوى السيادة أحتمي بها. بحثت عنها أياماً ولم أجدها. فتشتُ في الجوارير وخزائن المطبخ والمرحاض دون جدوى. أخبرتني جارتي أنها لمحت طيف السيادة تائهاً على الكورنيش في واشنطن، خلف سفارة العدو، لكنها لم تحلف، فشككت، إلى أن خطر لي الإعلان عن المفقودَين معاً، الرئيس والسيادة، في الجريدة الرسمية.

ثم تذكرتُ... عندي فكرة، فشعرت بالأمان. فكرتي لا تختبئ فوق الشجرة ولا تشرد على الكورنيش. أرويها بالمحبة يومياً. أنشّطها وأرمّمها كي لا تضيع. أتحدّث معها كي لا أضيع. أحميها في قلبي فتحميني. أخاف على فكرتي من النسيان، أو من شي صاروخ صهيوني طائش، أو من بوقٍ إعلامي يغرقها في ضجيجه. فكرتي من صلابة الأرض ونعومة الهواء، من قوة السواعد ورقّة الأمهات، من نبض المناضلين وصبر المنتظرين.

فكرتي تسألني: ما الذي يموت أولاً؟ الإنسان أم فكرته؟ الموت شاهد على النهاية، ولكل إنسانٍ مثواه مهما عظم الشأن. لكنّ الفكرة... تكمل المشوار بمن يتلقّاها، شرط أن يليق بها. لذلك فكرتي لا تخاف لا موتاً ولا رصاصةً، لكنها تخاف كل المحاولات الخبيثة التي تستهدف ما يسكن الجسد. فكرتي تخاف على كل من يلقيها جانباً، لأنه حتماً أضاع الطريق وسقط من فوق الشجرة. قد ينجو من القصف والغارات، قد يعيش حياةً سوقية على باب «السفارة في الأشرفية» وعلف الويسكي في تل أبيب، لكنه التحق بـِ«غوييم» الخدمة الإجبارية إذا فقدَ الفكرة وهداية الطريق.

فكرتي أضخم من بورصة نيويورك وأعظم من مضيق هرمز وباب المندب مجتمعَين. أهم من الرؤساء والمناصب، وبالتأكيد أرقى من الرأس البرتقالي ومن رأس النتِن. فكرتي أخطر من البرامج النووية والقبب الحديدية. لهذه الأسباب فكرتي مُستهدفة من كل القوات المسلحة في الدول الغربية والعربية وكيان المستوطنين وقرارات حكومة أبو عمر. هم بالمرصاد، أمّا فكرتي فثابتة على العهد، لا تنسى أعداءها مهما تبدّلت الأقنعة.

استقيلوا... ففي الاستقالة من إدارة الخنوع خيرُ سيادةٍ وإرادةٍ تكونون أهلاً لها


فكرتي صديقة «إخوة الغابة»، مقاومي السلطات السوفياتية في جمهورية البلطيق بعد الحرب الكبرى، هؤلاء الأحرار الذين صوّرهم الاحتلال كـ«قطّاع طرق» و«بقايا فاشية» و«عملاء للغرب» في معركة الذاكرة قبل المعركة على الأرض.
فكرتي صديقة «ابن الشعب» الذي جهدت دعاية حكومة فيشي والألمان النازيين على إظهار المقاومين كغرباء أو غير فرنسيين أو أصحاب ولاءات أجنبية، لأن تحويل الرمز إلى «دخيل» يُضعِف تأثيره المعنوي.

فكرتي جمعت مقاومي الجزائر وإيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا على قاسمٍ مشترك، جمَعهم الهجوم على شرعية المقاومة والمعركة على الرواية والمزاج الشعبي. فكرتي تعاقدت بالحبل السري مع هانيبعل في زمن الرومان ومع رجال الجبل في ليبيا ومع أهل فلسطين وثوار سوريا ولبنان في سنوات الانتداب، جميعهم مقاومون صوّرهم الاحتلال كمتخلّفين وقطّاع طرق وأعداء للحضارة، لأن قوة المقاومين من قوة احترام الناس لهم، ولأن سلطة اليوم تريد إقناع الأهالي أن مقاومتهم تخريب وعيبٌ فيهم، لا حقّ لهم.

ليس من الضروري تحويل الشعب الى مؤيّد للاحتلال؛ يكفي إقناع الأغلبية أن المقاومة بلا أفق، وأن لا شيء سيتغيّر، وأن النجاة الفردية أهم من أي مشروع جماعي. يكفي حملات إعلامية تخلق كتلة واسعة من المتردّدين والمتعبين واليائسين. يكفي تقويض إرادة الشعب كي تشك فكرتي في نفسها. عندما يفقد المزاج الشعبي ثقته بما يراه ويسمعه، تتغيّر بوصلة المجتمع الداخلية، من دون أن تضطر السلطة إلى الضغط على أي زر. هنا يتجلّى الخبث المثلّث بين هجوم العدو وهجوم الإعلام وهجوم السلطة لكسر الشعب اللبناني وتحطيم صبره كي ينقلب على نفسه، كي تذهب الفكرة وتأتي السكرة.

فكرتي قديمة، تمشي عبر العصور، وتهمس للشعوب كي يلتقط الفرد منها طرفاً. أنا لم أبتكرها وهي لم تنتظرني كي أكتشفها. هي سيدة خيارها وقرارها بين من هم أهلٌ لها عند الشعوب والمفكّرين. جلسَت فكرتي يوماً عند ابن رشد، فحدّث الناس عن الإدراك، كأنه لمح فيها أن فساد الإرادة يبدأ إذا فسد التصوّر.

ومرّت على مالك بن نبي، فخرج يقول إنّ «المشكلة ليست أن الإنسان يموت؛ المشكلة أن يموت فيه ما يجعله يريد أن يبني». ثم زارت محمد عابد الجابري، فترك لها عبارة تشبهها: ليست أزمة العرب نقص النوايا، بل ضعف الإرادة حين تفقد عقلها وتنظيمها. كذلك سمع الأوروبيون صداها، فسمّاها نيتشه «إرادة القوة»، ورآها كانط «إرادة خيّرة»، وسمع هيغل وقع خطاها وهي تمشي نحو الحرية. لكنّ فكرتي لم تتوقف عند أحد. بقيت تمشي جنوب نهر الليطاني وشماله. لأن المشكلة تتخطى العدو والاحتلال، بل تمتد إلى قابلية سيادة الرئيس للعدو والاحتلال، وهو يهتف لهما من فوق الشجرة.

لدى كل قوةٍ فاجرة أحماقها المفيدون، يعيشون في هرمية ضعف الإرادة. هناك، في أسفل الهرم، تعيش السيادة اللبنانية في العناية الفائقة، برعاية مستشاري رئيسَي الجمهورية والحكومة. هؤلاء يعتقدون أنهم يمثّلون مركز النفوذ الحقيقي في علبة السردين اللبنانية. يا تُرى: ماذا يوشوشون في آذان الرئيسَين وعمَّ يشيرون في العروض التقديمية على الشاشات الكبيرة؟
لا أدري، إلى أن تذكّرت... عندي فكرة اسمها «إرادة»، ربما تنجد المستشارين من المأزق، فيشعرون بالأمان. فكرتي أن تُنزِلوا سيادة الرئيس عن الشجرة وألّا تشرّدوا السيادة على الكورنيش في واشنطن. اُرووها بالكرامة يومياً كي لا تضيع ويضيع الوطن معكم. استقيلوا... ففي الاستقالة من إدارة الخنوع خيرُ سيادةٍ وإرادةٍ تكونون أهلاً لها.

* كاتب لبناني

صحيفة الاخبار

الكلمات المفتاحية

مقالات المرتبطة