المقال السابق

إقليمي قاليباف: التعاون الاقتصادي بين إيران والعراق يدخل مرحلة التنفيذ
منذ 41 دقيقة

المقال التالي

لبنان تفجيران للعدو في طلوسة وأرنون واستهداف مواطن في صربين 
منذ 58 دقيقة
من الصحف هكذا أدارت المقاومة المواجهة في الميدان

الاخبار: كيف أدارت المقاومة المواجهة في الميدان؟

منذ آذار وحتى مطلع حزيران 2026، حاول الخطاب الإسرائيلي اختزال المأزق الذي يواجهه جيش الاحتلال على الجبهة اللبنانية في مشكلة تقنية واحدة، تنحصر في مواجهة «المحلّقات الانقضاضية». وتعمّد العدو حجب كل التفاصيل الأخرى المتعلقة بما يحصل في الميدان، ومن خلال قراءة مواجهات ثلاثة أشهر تصل إلى صورة مختلفة تماماً، فالمحلّقات ليست سوى آلة واحدة داخل منظومة عسكرية أوسع.
وبحسب تحليل ميداني أعدّه «مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير» فقد توزعت المعضلة الحقيقية التي واجهها جيش الاحتلال، على ثمانية أركان مترابطة، من العبوات الناسفة والإطباق الاستخباري، مروراً بالمسيّرات والصواريخ الموجهة والاشتباك من مسافة صفر، وصولاً إلى المدفعية الدقيقة والقدرة على امتصاص الأحزمة النارية وإعادة القتال من تحت الركام.

الأرض المفخخة
لم تكن محاور التقدم في القرى اللبنانية ممرات مفتوحة كما افترضت حسابات العدو. العبوات الناسفة أعادت تعريف الأرض نفسها كسلاح. ففي رشاف وحداثا خلال شهر أيار، لم يؤدِّ تفجير عبوة بجرافة «D9» إلى انتهاء العملية. وعندما تقدمت قوة لسحب الآلية، وجدت نفسها داخل حقل آخر من العبوات، وانتهت سلسلة التفجيرات بتدمير أربع جرافات. وفي 13 أيار، استهدفت عبوة قوة متقدمة ثم آلية «نميرا»، قبل إعطاب آلية مفخخة مسيرة كان الاحتلال يحاول الدفع بها إلى ساحة البلدة. وفي شمال الطيبة في 14 أيار، استهدفت عبوة قوة كانت تتسلل باتجاه مضخة المياه وأجبرتها على الانكفاء تحت غطاء دخاني. كما شهد طريق الطيبة - دير سريان في 27 آذار استخدام العبوات لوقف الآليات والجنود وكسر زخم القوة قبل التحامها المباشر بالمقاتلين.

المغزى هنا ليس في عدد العبوات وحده، بل في مكان زرعها وتوقيتها. فالقدرة على تفخيخ محاور يفترض الاحتلال أنه يمسكها نارياً تعني أن السيطرة المعلنة لا تساوي بالضرورة سيطرة فعلية على الأرض. وحين تصبح الجرافة التي يفترض أن تفتح الطريق هدفاً، ثم تصبح القوة التي تأتي لإنقاذها هدفاً ثانياً، تنهار وظيفة الهندسة الهجومية ويصبح فتح المحاور عملية استنزاف بحد ذاتها.

فقء «عيون» الاحتلال
بُنيت العقيدة القتالية الإسرائيلية على تفوق جوي واستخباري يسمح للطائرات والمسيّرات وأجهزة الرصد بأن ترى ساحة القتال قبل أن تتحرك القوات البرية داخلها. لكن المقاومة استمرت في إطلاق الصليات وإدارة الاشتباكات من مناطق أعلن الاحتلال أنه دمرها، بينها بنت جبيل وعيناتا والقوزح والطيبة. والأخطر بالنسبة إلى العدو كان الانتقال من محاولة الاختباء عن عينه إلى ضرب هذه العين نفسها. إذ سجل الميدان إسقاط مسيرات «هرمز 450 – زيك» في عدة مناطق، وإسقاط «هرمز 900» فوق القنطرة في 28 نيسان، وإسقاط «هريون 1» في البقاع، إلى جانب استخدام صواريخ أرض - جو ضد الطائرات الحربية والمروحيات.

في القوزح يوم 25 آذار، أطلق المقاومون صواريخ دفاع جوي على مروحية حاولت الهبوط لإخلاء إصابات في الدبابات وأجبرتها على التراجع. وفي 15 و24 نيسان، استُهدفت طائرات حربية في أجواء البقاع والجنوب، ما دفعها إلى التراجع وأجبر الطيران على العمل من ارتفاعات أعلى.

النتيجة المباشرة لهذا كله هو أن القوة البرية للعدو والتي تعتمد على الرصد الجوي والإسناد القريب، لم تعد تتحرك تحت مظلة مطلقة. ومع كل تهديد لطائرة استطلاع أو مروحية إخلاء أو مقاتلة، تتحول المعركة البرية إلى ساحة أكثر غموضاً وخطورة بالنسبة إلى العدو وقواته المتقدمة.

«سلاح جو» من نوع آخر
المفارقة أن المحلّقات والمسيّرات التي يريد الاحتلال تقديمها على أنها لبّ المشكلة ليست، في الحقيقة، سوى جزء من بنية أوسع. لكن هذا لا يقلل من أهميتها، بل يضعها في موضعها الحقيقي على أنها سلاح دقيق يؤدي أدواراً كانت حكراً تقليدياً على الطيران.
خلال المواجهات، استهدف المقاومون قواعد ومواقع بينها قاعدة ميرون الجوية، وقاعدة شاغا، وثكنة يعرا، وقاعدة عميعاد، ومعسكرات في الجولان، ووصلت المسيرات إلى عكا ونهاريا وحيفا. كما أصابت غرف قيادة وخيم جنود ورادارات ومنصات دفاع جوي.

أطلق المقاومون صواريخ دفاع جوي على مروحية حاولت الهبوط لإخلاء إصابات في الدبابات وأجبرتها على التراجع

وفي 23 أيار، استهدفت أسراب من المحلّقات منصات للقبة الحديدية ورادارات تشويش وآليات قيادية في برانيت وراميم وموقع جل العلام. وفي آذار ونيسان، استهدفت المقاومة قواعد استراتيجية في حيفا وتل أبيب وعكا والجولان. وفي 13 نيسان، نفذت هجوماً بأسراب مسيرات على ستة أهداف متزامنة في كريات شمونة وبيت هلل ويفتاح، بينها غرف منامة جنود وغرف إدارة نار وخيم قيادة. وخلال أيار، استخدمت المحلّقات أيضاً ضد دبابات ميركافا وجرافات «D9» في مناطق لا يملك فيها رامي الصاروخ المضاد للدروع خط رؤية مباشراً.

المسافة صفر
حين حاولت قوات الاحتلال تقليص تعرضها للنيران البعيدة والانتقال إلى الاشتباك القريب، اصطدمت بمعادلة «المسافة صفر». ففي الخيام وبنت جبيل وشمع ودير سريان والقنطرة وزوطر الشرقية، اندلعت اشتباكات مع المقاومين استمرت لساعات. ونيران المقاومين لم تكن عشوائية، بل بدأ النسق بأسلحة خفيفة لتثبيت القوة، ثم رشاشات متوسطة لعزلها، قبل إدخال القذائف الصاروخية المباشرة ضد القوة والمدرعات التي تغطيها.

في دير سريان والقنطرة، جرت اشتباكات من مسافة صفر لساعات. وفي 15 نيسان، وقعت قوة من الكتيبة 101 مظليين في كمين للمقاومة في محور مارون الراس - بنت جبيل، بدأ بعبوة ثم تحول إلى اشتباك مباشر. وفي أطراف زوطر ويحمر الشقيف يوم 30 أيار، استمر القتال من الفجر حتى الليل، ومنع المقاومون بنتيجته العدو من تحقيق سيطرة ميدانية. أما في عيناتا يوم 10 أيار، فيظهر الاشتباك الذي خاضه المقاومون التسلسل كاملاً، إذ بدأ بالعبوات، ثم اشتباك مشاة، ثم استهداف دبابات المؤازرة بالمحلّقات.

منظومة واحدة
يمثل هذا المحور جوهر المشهد الميداني، إذ لا تقوم العملية النموذجية للمقاومة على ضربة منفردة تبدأ بصاروخ مضاد للدروع وتنتهي عند إصابة دبابة، بل على سلسلة متتابعة من الاستهدافات، تُستدرج خلالها وسائل الإخلاء والإسناد إلى دائرة الاشتباك تباعاً.
هذا يعني أن الأذرع القتالية لا تعمل بصورة منفصلة، بل ضمن منظومة مترابطة تجمع بين مضادات الدروع، والهندسة والعبوات، والمسيّرات، والدفاع الجوي، والمدفعية، في رقعة جغرافية واحدة وضمن تسلسل زمني محسوب. وقد جعل هذا النمط محاور مثل البياضة ومشروع الطيبة وحداثا ساحات تتكرر فيها حلقات الاستهداف والإخلاء وإعادة الاستهداف.

ففي القوزح في 29 آذار، بدأت المواجهة باستهداف المقاومة لدبابة ميركافا، قبل أن تمتد إلى دبابة شاركت في عملية الإخلاء، ثم إلى قوات المشاة بواسطة مسيّرة انقضاضية. ومع تدخل مروحية لتنفيذ عملية الإنقاذ، دخلت الدفاعات الجوية على خط الاشتباك. وفي محور الطيبة - بيدر الفقعاني، في 19 آذار، أعقب تدمير دبابة استهداف خمس دبابات أخرى خلال محاولة الانسحاب باتجاه دير سريان، قبل أن تتعرض منطقة الإخلاء للقصف مع تدخل المروحيات. أما في محور دير سريان - زوطر، في 4 أيار، فتداخل الاشتباك المباشر مع القصف المدفعي ومحاولات منع المروحيات من الهبوط، ليصبح مسار الانسحاب البري نفسه جزءاً من ميدان الاستهداف.

«قاهر» الميركافا يعود إلى الواجهة
رغم أنظمة الحماية النشطة على الدبابات الإسرائيلية، بقيت صواريخ المقاومة الموجهة أحد أكثر التحديات قسوة على القوة المدرعة. فقد سُجّل تدمير دبابات في أكثر من محور وقرية منها تل النحاس، ومشروع الطيبة، والقنطرة، والبياضة، وزوطر الشرقية، وعيناتا، ودير سريان ويحمر الشقيف، إضافة إلى استهداف جرافات «D9» وآليات «نميرا» ومركبات «هامر» القيادية. وفي شهر آذار وحده، سُجّل تدمير أو إعطاب 108 آليات عسكرية بأنواعها بواسطة الصواريخ الموجهة.

في القنطرة، سُجّل تدمير وإعطاب ثماني دبابات ميركافا في بقعة واحدة. وفي مشروع الطيبة يوم 25 آذار، دمرت المقاومة ست دبابات وجرافة «D9»، ثم استهدفت قوة الإخلاء لمنعها من سحب الآليات. وفي العديسة أواخر أيار، انتقل التركيز إلى عربات القيادة والسيطرة من طرازي «نميرا» و«هامر» لضرب عصب القوة المتوغلة واتصالاتها.
المشكلة التي واجهها سلاح الدروع في جيش العدو هنا أن الدبابة لم تعد فقط أداة تحمي الجنود وتفتح الطريق، بل تحولت في حالات متكررة إلى هدف يحتاج بدوره إلى قوة لحمايته وإخلائه، فتتضاعف العناصر المعرضة للنار.

ماذا يبقى بعد «الحزام الناري»؟
اعتمد الاحتلال على قصف جوي واسع لتمهيد الأرض قبل تقدم قواته. لكن ما واجهه بعد الغارات كان عودة النيران من المناطق نفسها.
عقب عملية الإنزال على تخوم النبي شيت في 7 آذار، نُفذت أكثر من أربعين غارة وحزاماً نارياً لتغطية انسحاب القوة، لكن مدفعية المقاومة استمرت في ضرب مسار الانسحاب. وفي زوطر الشرقية أواخر أيار، أعقب الاشتباكَ قصف جوي ومدفعي طوال الليل، إلا أن القوات المتقدمة فوجئت عند الفجر بكمائن ما زالت في مواقعها. وفي بنت جبيل والخيام استمرت الصليات والاشتباكات من داخل الأحياء التي تعرضت لتدمير واسع.

في 27 أيار بزوطر الشرقية، تراجع عناصر من كتيبة «شاكيد» التابعة للواء جفعاتي بعد اشتباك، وتبع ذلك حزام ناري، لكن الرد جاء باستهداف الدبابات وتجمعات الجنود في البقعة ذاتها. وفي نيسان وأيار، تحولت أنقاض مناطق في بنت جبيل والخيام إلى شبكة يمكن منها استئناف الاشتباك والقصف.

هذه المرونة اللامركزية هي التي تفرغ وظيفة التمهيد الجوي من معناها أنه إذا استطاع المقاتل امتصاص الضربة الأولى، وإعادة التموضع، ثم العودة إلى إطلاق النار، فإن الغارات لا تنتج تلقائياً ممراً آمناً للقوة البرية.

لا مكان آمناً للتجمع
إلى جانب المسيّرات والصواريخ، لعبت المدفعية والهاونات والمدفعية الصاروخية القصيرة المدى دوراً في فرض استنزاف متواصل على القوات. فتجمعات الجنود في نقاط التحشد الخلفية والأمامية، من مسكاف عام والمطلة وأفيفيم وشتولا، وصولاً إلى زرعيت والخيام ودير سريان والطيبة وعيناتا ورشاف وحداثا والقوزح والبياضة والناقورة، بقيت عرضة لقصف مركز ومتكرر. والهدف من ذلك منع تثبيت خطوط إمداد آمنة، وحرمان المشاة من نقاط التجمع والراحة، وتحويل الوجود الميداني نفسه إلى عبء يومي.
وفي 24 أيار قرب نهر دير سريان، استهدفت المقاومة تجمعاً واحداً للعدو خمس مرات في ساعات متعاقبة. وفي 18 أيار، نفذت إغارة نارية على مواقع في الخيام والطيبة ودير ميماس. كما كررت قصف قوات الإخلاء ومناطق هبوط المروحيات طوال الأشهر الثلاثة، إذ لم يعد الإخلاء مرحلة منفصلة عن الاشتباك، بل امتداداً له.

لكن المأزق الإسرائيلي لا ينحصر عند الحدود، فالحرب التي كان يفترض أن تؤمن له الجبهة الداخلية وتبعد النيران عن المستوطنات الشمالية انتهت، وفق مسار العمليات، إلى انتقال النار إلى عمق أكبر. ففي تل أبيب والمركز، استهدفت نيران المقاومة مواقع بينها مقر وزارة الحرب في «الكرياه»، وثكنة دوفيف التابعة للاستخبارات العسكرية، وقاعدة غليلوت حيث مقر الوحدة 8200، وقاعدة تل هشومير وقاعدة بلماخيم الجوية. وفي حيفا، استهدفت المقاومة القاعدة البحرية و«ستيلا ماريس» ومجمعات صناعات عسكرية في الكريوت وقاعدة عين شيمر، كما استهدفت القاعدة البحرية في أشدود وبارجة في البحر.

أما مستوطنات الشمال، فبقيت تحت نيران صواريخ المقاومة ومسيّراتها، بما أبقى الجبهة الداخلية جزءاً مباشراً من المعركة بدلاً من أن تكون منطقة محمية خلف خط القتال. كل هذا أظهر جوهر الأزمة بالنسبة إلى العدو، فإذا كانت غايته من العملية البرية حماية العمق ووقف النار، فإن استمرار نيران المقاومة ووصولها إلى قواعد ومراكز أبعد يعني أن التقدم البري، مهما بلغ حجمه التكتيكي، لم يتحول إلى منجز أمني استراتيجي.

صحيفة الاخبار

الكلمات المفتاحية

مقالات المرتبطة