الاخبار : عمر نشابة_السبت 29 آب 2026
المطلب واضح: تحرير الأسرى والمحتجزين اللبنانيين فوراً، والكشف عن مصير كل مفقود. وفي انتظار تحقيق ذلك، لا بدّ، الآن، من معلومات موثوقة عن أماكن الاحتجاز والحالة الصحية، ومن زيارات الصليب الأحمر الدولي وتواصل مع العائلات.
أين هم الأسرى اللبنانيون الذين خطفهم العدو الإسرائيلي؟ هل يتلقّى الجرحى من بينهم العلاج؟ هل يحصل المرضى من بينهم على الدواء؟ ومن يحميهم من التعذيب والإهانة، ومن يطمئن عائلاتهم؟ هذه الأسئلة يجب أن تتصدّر الاهتمام اللبناني، كل يوم. حين تُحجب المعلومات ويُترك الأهل للغموض، يصبح الصمت قسوة إضافية. أيّ ضمير يقبل أن تستمر الحياة العامة كأنّ هؤلاء غير موجودين؟ المطلب واضح: تحرير الأسرى والمحتجزين اللبنانيين فوراً، والكشف عن مصير كل مفقود. وفي انتظار تحقيق ذلك، لا بدّ، الآن، من معلومات موثوقة عن أماكن الاحتجاز والحالة الصحية، ومن زيارات الصليب الأحمر الدولي وتواصل مع العائلات. هذا هو الحدّ الأدنى الذي لا يقبل التأجيل، ولا يجوز تسويقه كإنجاز يغني عن التحرير. أن تعرف الأمّ إن كان ابنها حياً ليس منّة من السجّان، ولا مكافأة تُنتزع بتنازل سياسي.
تضمّ اللائحة المُحدّثة ستة وثلاثين اسماً لأسرى ومعتقلين ومفقودين لبنانيين. وتشمل أسماءً وردت معلومات عن وجود أصحابها في سجن أيالون الإسرائيلي، وأخرى لم يُحسم مصيرها. لا تسمح هذه المعطيات بالجزم بأن الجميع في مكان واحد أو في الوضع نفسه؛ لكنها تفرض متابعة كل اسم حتى كشف الحقيقة كاملة. الغموض سبب لمضاعفة العمل، لا لإسقاط صاحبه من الحساب.
وراء هذه الأسماء عائلات تتوزّع أيامها بين انتظار الخبر والخوف منه. أمّ لا تعرف إن كان ابنها يتألم، وطفل يسأل عن أبيه، وزوجة تحمل أعباء البيت والأولاد والبحث عن معلومة. لا يجوز أن يُطلب منهم التكيّف مع الغياب، ولا أن يُتركوا يستجدون انتباهاً عاماً. يكفيهم ما يفعله العدو بأبنائهم؛ لا تضيفوا إلى وجعهم شعوراً بأن بلدهم اعتاد غيابهم.
أسماء لا يجوز طمسها
تشير اللائحة المُحدّثة إلى 17 أسيراً مدنياً، وتضمّ أيضاً صياداً مفقوداً وممرّضين متطوعين. فيها عمّال ألمنيوم وصيادون ومزارعون وراعٍ وشرطي بلدي وأشخاص اختطفهم جنود العدو الإسرائيلي من منازلهم. والأشدّ دلالة أن 11 من الأشخاص السبعة عشر المدنيين سُجّلت حالات اختطافهم بين إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 وتجدّد العدوان في آذار 2026. أي إن معظم هذه الفئة اختُطف خلال مرحلة كان يُفترض أن تتيح العودة إلى البيوت والعمل.
كان علي ناصر يونس وفؤاد حبيب قطايا متوجّهيْن لتسلّم ورشة ألمنيوم حين اعتُقلا في كانون الأول 2024. وأُصيب حسين أمين كركي وقُتلت والدته أمامه، قبل اقتياده جريحاً في كانون الثاني 2025. وفي أيار 2026، اختُطف شوقي وأحمد وعلي عطية أثناء العمل في حقولهم في حلتا. هذه الوقائع تفرض أسئلة عن بشر اقتُلعوا من حياتهم: أين أصبحوا؟ من يتابع أوضاعهم؟ وماذا قيل لعائلاتهم؟
لا يحقّ للعدو أن يطمس هذه الوقائع بتعميم صفة قتالية على الجميع وربطهم بالمقاومة. وحتى من شارك في القتال لا يفقد، متى أصبح في قبضة عدوه، حقّه في الحماية من التعذيب والإهانة والمعاملة اللاإنسانية. صفة أسير الحرب تُحسم بالقانون، ومن لا تنطبق عليه لا يصبح بلا حقوق. وإسعاف الجريح لا يجعل الممرّض مقاتلاً. أمّا التمييز بين العائلات بحسب الموقف السياسي لأبنائها فهو انحطاط أخلاقي.
لا حقّ للسجّان في المساومة على البشر
حين يُبقى مدنيّ محميّ محتجزاً بصورة غير مشروعة لإكراه لبنان على تقديم تنازل شرطاً لإطلاقه، نكون أمام أخذ رهائن. تحظر ذلك المادة 34 من اتفاقية جنيف الرابعة، وتعدّه المادة 147 من مخالفاتها الجسيمة، ويجرّمه نظام روما الأساسي في المادة 8، الفقرة الثانية (أ)، البند الثامن. وقد يشكّل الحبس غير المشروع جريمة حرب مستقلة حتى إن تعذّر إثبات غرض المساومة. ليس في القانون رخصة لحبس إنسان حتى يدفع آخر ثمن حريته. وما نُشر عن ربط الجانب الإسرائيلي بحث الإفراج عن اللبنانيين بمطالب تتعلق بمفقودين ورفات من ملفات أخرى يستوجب المُساءلة والمحاسبة. ان إبقاء مدنيين محتجزين بصورة غير مشروعة لانتزاع مقابل يكشف طبيعة الجريمة. لكل مفقود حقّ في الكشف عن مصيره، ولا يبيح هذا الحقّ احتجاز إنسان آخر. والطعام والدواء والحماية من التعذيب والتواصل العائلي حقوق واجبة، لا أوراق تفاوض.
يكفي ذوي الأسرى ما يفعله العدو بأبنائهم، فلا تضيفوا إلى وجعهم شعوراً بأن بلدهم اعتاد غيابهم
ولا يعلّق وقف إطلاق النار أو بدء المفاوضات ضمانات المحتجزين. يجب تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارتهم ومقابلتهم على انفراد ومتابعة أوضاعهم ونقل أخبارهم إلى عائلاتهم. والمادة 143 من اتفاقية جنيف الرابعة لا تجيز تحويل الاستثناء المؤقت المرتبط بضرورة عسكرية قهرية إلى حظر عام ودائم للزيارات. كما تلزم القاعدة العرفية 117 أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير الممكنة لمعرفة مصير المفقودين وإبلاغ عائلاتهم بما لديها من معلومات. حقّ الأهل في الحقيقة لا ينتظر أي صفقة.
ماذا فعلتم اليوم من أجلهم؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يلاحق المسؤولين اللبنانيين كل يوم. لا يكفي كلام عام عن المتابعة، ولا وعد بأن الملف حاضر على الطاولة. المطلوب من رئاسة الجمهورية والحكومة والوزارات والأجهزة المختصة عمل متصل لتحريرهم: من المسؤول بالاسم عن كل حالة؟ ما الطلبات التي وُجّهت؟ ما الأجوبة التي وردت؟ وما الخطوة التالية حين يمتنع العدو عن الإجابة؟ من واجب الدولة أن تشرح ما تفعله، وأن تُحاسَب على تقصيرها.
نحتاج إلى سجلّ موحّد يميّز بين الاحتجاز المُثبت والفقدان، ويوثّق ظروف كل اختطاف، وإلى متابعة قانونية ودبلوماسية لكل اسم، ومطالبة لا تنقطع بالكشف عن أماكن الاحتجاز والحالة الصحية، وبالإفراج الفوري عن كل محتجز بصورة غير مشروعة. يجب تحريك التحقيقات أمام القضاء المختص وإحالة الوقائع إلى الآليات الدولية المعنية. وعلى الدولة تحديد جهة اتصال ثابتة للأهالي، وإطلاعهم بانتظام على المعلومات والخطوات، مع تأمين الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي والمساعدة المعيشية لمن يحتاج إليها.
وعلى الإعلام أن يجعل قضيتهم حاضرة يومياً، في الأخبار والتحقيقات والمقابلات والأسئلة الموجّهة إلى أصحاب القرار. لكل اسم قصة تستحق المتابعة، ولكل معلومة حقّ في التدقيق. لا يجوز أن تصبح العائلات مادة موسمية. المطلوب ملاحقة الأجوبة وكشف التقصير، مع احترام خصوصية الأهالي وموافقتهم، وحمايتهم من الشائعات ومن استغلال حزنهم. كل يوم بلا خبر جديد يجب أن يكون يوماً جديداً للسؤال: لماذا لا نعرف؟
والمجتمع أيضاً مسؤول. على النقابات والجامعات والجمعيات والقوى السياسية أن ترفع الصوت، وتنظّم تحرّكات سلمية مستمرة، وتساند العائلات عملياً. لا يجوز حصر القضية بأهالي الجنوب أو بطائفة أو بحزب. هؤلاء لبنانيون، وحقوقهم لا تحتاج إلى امتحان ولاء. وحين تُترك أمّ وحدها أمام غياب ابنها، فإن الخلل يصيب الضمير العام.
لا يجوز أخلاقياً أن يمرّ يوم من دون المطالبة بهم. يوم صمت إضافي هو يوم آخر يواجه فيه المحتجز مصيره بعيداً عن أهله، وتُترك فيه عائلة المفقود نهباً للخوف. الغضب هنا واجب، شرط أن يتحوّل إلى عمل ومُساءلة وإصرار. حرّروهم الآن. اكشفوا مصيرهم. ولا تطلبوا من العائلات مزيداً من الصبر فيما يُمنح السجّان مزيداً من الوقت.
صحيفة الاخبار