المقال السابق

لبنان الوقفة الاحتجاجية في المجلس الشيعي : صرخة بوجه تواطؤ السلطة  مع الاحتلال
منذ 33 دقيقة

المقال التالي

إقليمي الدفاعات الجوية اليمنية تسقط طائرة F15 سعودية في أجواء مأرب
منذ 54 دقيقة
من الصحف من درعا الى الرقة وحلب وإدلب: اكبر موجة احتجاجات بوجه نظام الجولاني 

الاخبار: وعود «النهوض الاقتصادي» لا تُرى: أكبر موجة احتجاجات في العهد الجديد

عامر علي_الأربعاء 16 أيلول 2026

تكشف الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها مناطق سورية كثيرة، سواء في شمال شرق البلاد أو وسطه أو حتى في الشمال الغربي، عن أزمة معيشية متفاقمة، باتت تحاصر السكّان الذين يعيش معظمهم تحت خطّ الفقر. ويأتي ذلك في وقت تستمرّ فيه السلطات الانتقالية في استعراض «العقود الاستثمارية» وما تسمّيه «النهوض الاقتصادي»، الذي لم يلمس منه المواطنون شيئاً كثيراً. واشتعلت موجة الاحتجاجات الأخيرة، التي تُعتبر الأكبر خلال العهد الجديد، بعد رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب وصلت إلى نحو 40%؛ إذ تمّ رفع سعر ليتر بنزين أوكتان «95» إلى 195 ليرة سورية، وبنزين أوكتان «90» إلى 185 ليرة (بالعملة الجديدة)، فيما ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة. كما طاولت الزيادة سعر أسطوانة الغاز المنزلي التي صعدت إلى 1600 ليرة، في حين وصل سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى نحو 2570 ليرة.

وفي حين تركّزت التحرّكات الاحتجاجية بدايةً في مناطق شمال شرق سوريا، ولا سيما الحسكة ودير الزور والرقة، قبل أن تمتدّ إلى حلب وإدلب والسويداء، فهي تراوحت بين التجمعات الشعبية وإشعال الإطارات وقطع الطرق الرئيسة والدولية ومنع مرور صهاريج النفط -الذي تعدّ تلك المناطق من أبرز مواقع إنتاجه فيما يواجه سكانها ارتفاعاً في تكاليف الحصول على مشتقّاته-، إضافة إلى تحرّكات لسائقي وسائل النقل. وفي الحسكة، شكّلت بلدة مركدة في الريف الجنوبي بؤرة للاحتجاج؛ إذ قطع المواطنون الطريق الرئيس فيها، الواصل بين محافظتَي الحسكة ودير الزور، كما منعوا مرور بعض صهاريج نقل النفط، مطالبين بالتراجع عن قرار رفع أسعار المحروقات. أمّا في دير الزور، فخرجت احتجاجات في عدد من بلدات الريفَين الشرقي والغربي وقراهما، كان من أبرزها في بلدة الطيانة في الريف الشرقي، حيث أشعل محتجّون الإطارات، وألقوا بها على الطرقات. كذلك، شهدت ناحية الكسرة وبلدة محيميدة في الريف الغربي تحرّكات مماثلة، تخلّلها تعطيل لحركة السير، فيما سُجّلت بلدة الحريجية احتجاجات ومظاهر مشابهة.

وانسحبت هذه التحرّكات على محافظة الرقة، وتحديداً ريفها الجنوبي والشرقي، حيث قطع محتجّون طريق دير الزور - حلب الدولي بالقرب من بلدة حويجة شنان، ومنعوا مرور صهاريج النفط الخام. كما خرجت احتجاجات في بلدة الكرامة في ريف الرقة، بالتزامن مع تحرّكات في مناطق أخرى من المحافظة. وفي حلب، انتقلت الاحتجاجات إلى مدن وبلدات في الريف، حيث خرج متظاهرون في مدينتَي أعزاز والباب، وردّدوا شعارات رافضة لرفع أسعار المشتقات النفطية، كما طالبوا بالتراجع عن القرار. وشهدت مدينة حلب، أيضاً، تحركاً عند دوار الحلوانية في حي طريق الباب، فيما أعلن عدد من سائقي حافلات النقل الداخلي الإضراب عن العمل، مطالبين بتعديل تعرفة النقل بما يتناسب مع التكاليف الجديدة. أمّا في إدلب، فامتدّت التحرّكات إلى مدينة معرة النعمان وريفها، حيث قطع مواطنون الطريق الدولي «M5» قرب المدينة باستخدام الإطارات المشتعلة، في حين سُجّل احتجاج مماثل في بلدة كفر رومة في ريف إدلب، وتردّدت دعوات إلى توسيع التحرّكات والإضرابات.

تتّسق تصريحات الشرع مع الخطاب الاقتصادي الذي تبنّته السلطات منذ بداية المرحلة الانتقالية


وفي المجمل، طالب المحتجّون الحكومة بالتراجع عن القرار الذي يسبّب ضرراً كبيراً للقطاع الزراعي ولقطاع النقل، ويؤدي إلى رفع أسعار السلع، في وقت يعاني فيه السوريون تراجعاً كبيراً في مستويات الدخل، يضاعف ثقله استمرار حال الانهاك الاقتصادي التي تعيشها البلاد. وكانت برّرت السلطات قرارها بأنه ناجم عن ارتفاع السعر عالمياً بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز، وتوقّف «مصفاة بانياس» الخاضعة لأعمال صيانة، مشيرةً إلى أن هذا القرار «مؤقت». لكن المحتجّين لم يتقبّلوا ذلك التبرير، واحتجّوا بإسراف المسؤولين في استعراض سيّاراتهم ذات الدفع الرباعي، وعيشهم في عالم منفصل عن الواقع.
ولا تبدو موجة الاحتجاجات الجديدة مفاجئة، لا في ظلّ التدهور المستمر في الظروف المعيشية، لكن اتّساعها وحدّة خطاب المشاركين فيها يكشفان أن الغضب يتجاوز قرار رفع أسعار المحروقات نفسه. فخلال المرحلة الماضية، رفعت السلطات سقف الوعود المتعلّقة بتحسين الإنتاج وزيادة الصادرات وتقليص الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية، في وقت لم تنعكس فيه هذه الوعود بصورة ملموسة على حياة السكان. ويضاف إلى ذلك، تأخّر دفع أثمان القمح الذي استلمته السلطات من مزارعي شمال شرق البلاد، ما جعل القرار الأخير يأتي كـ«حبّة كرز» فوق «قالب» أزمات معيشية واقتصادية متراكمة.

وفي محاولة لامتصاص غضب الشارع، روّجت وسائل إعلام وناشطون محسوبون على السلطات، إشاعات عن كلمة للرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، قبل أن يتمّ نفيها، في وقت أعلن فيه أعضاء في مجلس الشعب عزمهم مساءلة وزير الطاقة تحت قبة البرلمان، علماً أن المجلس لا يملك صلاحيات عزل أيّ وزير. بدوره، استغلّ الشرع مشاركته في «قمة الإعلام العربي» في دبي لتوجيه رسائل غير مباشرة إلى السوريين، بينها وعود بتحسين الأوضاع خلال المدة المقبلة. وفي كلمته، أعاد الرئيس الانتقالي الحديث عن نموّ الاقتصاد، من دون تقديم أرقام دقيقة؛ إذ أشار إلى أن الاقتصاد كان حجمه عند سقوط النظام نحو 20 مليار دولار ووصل إلى نحو 32 مليار دولار هذا العام، مضيفاً أن مستوى الاقتصاد قد يعود إلى ما كان عليه عام 2010، العام المقبل (2027). وتابع أن «الاقتصاد السوري كان شبه اشتراكي، والآن انتقلنا إلى اقتصاد السوق الحر، بعض القرارات قد لا تعجب المواطنين الذين يقارنون الأوضاع بالماضي». وزاد أن «سوريا لديها قدرات إنتاجية تكفي لإطعام 70 مليوناً، قابلة للارتفاع إلى سدّ حاجة 100 مليون في حال توفّر التقنيات الحديثة، وهو ما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي لجزء كبير من المنطقة»، وفق تعبيره، متحدّثاً أيضاً عن الاستثمارات الخليجية في سوريا، والتي دعا إلى توسيعها.
وتتّسق تصريحات الشرع مع الخطاب الاقتصادي الذي تبنّته السلطات منذ بداية المرحلة الانتقالية، والقائم على وعود بالنمو وجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج. غير أن اتّساع الاحتجاجات يكشف عن فجوة متزايدة بين هذا الخطاب وبين ما يلمسه السوريون في حياتهم اليومية، وهو ما يجعل موجة الغضب الحالية أبعد من اعتراض على سعر ليتر البنزين أو المازوت. فالوقود كان الشرارة التي فجّرت الاحتقان، لكن الأزمة التي دفعت المحتجّين إلى الشارع تبدو، في الصورة الأعمّ، أوسع بكثير.

صحيفة الاخبار

الكلمات المفتاحية

مقالات المرتبطة